المقالات

محمد أحمد البشرى: الحوار السوداني مدخلًا إلى العقد الإجتماعي

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

أصبح الحوار السوداني اليوم ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل في ظل ما يمر به السودان من أزمات وحروب وانقسامات ألقت بظلالها على الدولة والمجتمع وأثرت في حاضر البلاد ومستقبلها. غير أن الحوار الذي يحتاجه السودان لا ينبغي أن يكون مجرد لقاء سياسي عابر أو تفاوضًا حول السلطة، وإنما يجب أن يكون مدخلًا حقيقيًا لإعادة بناء الدولة والمجتمع وصولًا إلى عقد اجتماعي سوداني جامع.

إن جوهر الأزمة السودانية لا يرتبط بالحرب وحدها، بل يمتد إلى تراكم طويل من الأزمات السياسية والاجتماعية، وفي مقدمتها ثقافة الإقصاء وضعف الثقة وتقديم الانتماءات الحزبية والجهوية على الانتماء الوطني. وقد أدى ذلك إلى شعور قطاعات واسعة من السودانيين بالتهميش والابتعاد عن دوائر اتخاذ القرار، الأمر الذي ساهم في إضعاف الاستقرار وإنتاج دورات متكررة من الصراع.

ومن هنا فإن الحوار المنشود يجب أن يكون حوارًا لكل أهل السودان، يشارك فيه الجميع بمختلف توجهاتهم السياسية والفكرية والاجتماعية، بما في ذلك القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، والشباب والمرأة، والإدارات الأهلية، والمهنيون والأكاديميون والمثقفون، وكل من يحمل رؤية تسهم في بناء مستقبل الوطن.

إن إشراك المعارضة السياسية في الحوار ليس تنازلًا من أحد، وإنما هو جزء أصيل من مفهوم الحوار الوطني. فالاختلاف السياسي أمر طبيعي، والمعارضة عنصر مهم في أي حياة سياسية سليمة. ولذلك فإن الحوار الجاد يتطلب الاستماع إلى مختلف الآراء والرؤى داخل إطار وطني يحفظ حق الجميع في المشاركة والتعبير.

لقد أثبتت التجارب أن الإقصاء لا ينهي الخلافات بل يزيدها تعقيدًا، ولذلك فإن تجاوز ثقافة الإقصاء يجب أن يكون هدفًا أساسيًا للحوار حتى لا تتكرر أسباب الأزمات السابقة. فالسودان بحاجة إلى الانتقال من منطق الاستقطاب والانقسام إلى منطق الشراكة الوطنية التي تتسع للجميع.

وهنا تبرز أهمية العقد الاجتماعي باعتباره إطارًا وطنيًا جامعًا ينظم العلاقة بين الدولة والمواطنين. فالعقد الاجتماعي ليس اتفاقًا لتقاسم السلطة أو المناصب، وإنما هو توافق حول المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدولة، مثل المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والعدالة، والحريات، ووحدة البلاد، والتداول السلمي للسلطة، والتنمية المتوازنة.

ومن هذا المنطلق ينبغي أن يتجاوز الحوار معالجة الأزمة الراهنة إلى معالجة جذورها العميقة، وأن يجيب عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بشكل الدولة ومستقبلها، وكيفية تحقيق العدالة والمساواة، وحماية الوحدة الوطنية، وبناء مؤسسات تخدم جميع السودانيين دون تمييز.

كما أن نجاح الحوار يتطلب أن يكون حوارًا مسؤولًا تحكمه المصلحة الوطنية، ويقوم على الاعتراف المتبادل واحترام الرأي الآخر، بعيدًا عن الرغبة في تصفية الحسابات أو فرض الشروط المسبقة. فالحوار الحقيقي هو الذي يفتح المجال للتفاهم ويؤسس للثقة بين أبناء الوطن الواحد.

إن السودان لا يحتاج إلى حوار للنخب وحدها، بل إلى حوار وطني واسع يتحول تدريجيًا إلى مسار لبناء العقد الاجتماعي السوداني. ويمكن أن يبدأ هذا المسار بحوار سياسي شامل، ثم يمتد إلى حوار مجتمعي وفكري وقانوني واقتصادي، حتى يصبح العقد الاجتماعي تعبيرًا صادقًا عن إرادة السودانيين جميعًا.

إن بناء السودان الجديد لا يبدأ فقط بوقف الحرب، على أهمية ذلك، وإنما يبدأ أيضًا بإعادة بناء الثقة بين السودانيين. والثقة لا تتحقق بالإقصاء أو التخوين، بل بالحوار والاحترام المتبادل والالتزام بالقانون والمصلحة الوطنية.

ولذلك فإن الحوار السوداني يجب أن يكون مدخلًا إلى عقد اجتماعي جديد لأهل السودان؛ عقدٍ يجعل المواطنة أساس الحقوق والواجبات، ويضع الدولة فوق المصالح الضيقة، ويؤسس لشراكة وطنية واسعة تسهم في بناء المستقبل.

إن السودان وطن يتسع للجميع، ومستقبله لن تصنعه فئة واحدة، وإنما يصنعه السودانيون عندما يلتقون حول مصلحة وطنهم الكبرى. ومن هنا فإن الدعوة إلى الحوار ليست دعوة إلى مجرد اجتماع سياسي، بل هي دعوة إلى إعادة تأسيس العلاقة بين أهل السودان ودولتهم، وصياغة عقد اجتماعي يعبر عن إرادتهم المشتركة ويضمن لأجيالهم القادمة دولة مستقرة وعادلة وآمنة.

الحوار ليس نهاية الطريق، وإنما هو المدخل إلى السودان الذي نريده جميعًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى