المقالات

د. ياسر محجوب الحسين : بريق يُعرض وحق يُستنزف

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

للأنظمة الغربية تشريعات ذات بريق أخّاذ، تُرفع في كل محفل راية لـ”حرية التعبير” و”سيادة القانون”. غير أن هذه النصوص، على جمالها، أشبه بأوان فاخرة تُنضَّد خلف زجاج الفترينات: تُبهر الناظرين، ولا تُستخدم إلا حين لا يكلّف استخدامها أحدا شيئا. فإذا مسّت المصلحة الكبرى، انكمش بريقها، وتحوّلت من ضمانة للضعيف إلى أداة في يد القويّ، يرفعها متى شاء، ويطويها متى شاء.

قضية الدكتور ديفيد ميلر، أستاذ علم الاجتماع السياسي، ضد جامعة بريستول البريطانية، مرآة صادقة لهذه المفارقة. رجل قال إن الصهيونية السياسية أيديولوجيا عنصرية استعمارية، فإذا بالجامعة التي يُفترض أن تكون حِمى الفكر الحر تتحول، بغتة، إلى محكمة تفتيش لا تنتظر حتى ثبوت الجرم. فتحت تحقيقا، وجاءها تقرير قانوني مستقل يبرّئ الرجل من كل مخالفة، فتجاوزته كأن لم يكن، ومضت إلى فصله بتهمة “سوء السلوك الجسيم”. لم تكن تدافع عن قانون انتُهك، بل كانت تدفع ثمن سكوتها عن غضبة خارجية لا تُقاس بميزان العدل.

فلمّا لاذ ميلر بالقضاء، أنصفته المحكمة: معتقد فلسفي محميّ، وفصل تمييزي غير متناسب. وعلى الورق، هذا انتصار. لكن الطريق إلى هذا الانتصار هو عين الجريمة. فأيّ عدالة تلك التي لا تُدرَك إلا بعد سنوات من التقاضي، وبعد أن تستنفد المؤسسة كل حيلة لإسكات صاحب الحق خارج قاعة المحكمة؟ لقد تُرك ميلر يقاتل وحده كي يفرض على القانون أن يحميه، بعدما عجز القانون، أو تعامى، عن حمايته من تلقاء نفسه.

والسؤال الذي لا يُطرح كثيرا: كم من أكاديمي وطالب ذاق المرارة نفسها، فلم يملك من الجاه أو المال أو الصبر ما يملكه ميلر، فانسحب صامتا، أو قَبِل تسوية مذلّة، تاركا حلمه يتآكل في العتمة، بلا حكم يُروى، ولا اسم يُذكر؟ هؤلاء هم الأغلبية الصامتة التي لا تصل قصصها إلى صفحات القضاء.

ثم إن المحكمة، وهي تنصف ميلر، خفّضت تعويضه إلى النصف لأن لهجته كانت حادة. فتُحمَّل الضحية عبء الاعتدال، بينما يُعفى الجلاد المؤسسي من عبء المساءلة. أي ميزان هذا الذي يطلب من المظلوم رجاحة العقل، ويمنح الظالم عذر التسرع؟

وهذه المفارقة بين بريق النص وعجز التطبيق ليست حكراً على المجتمعات الغربية ومؤسساتها، بل تتجسد بصورة أكثر قسوة في الواقع السوداني؛ حيث تعاني البلاد من سيولة مفرطة في البيئة التشريعية والقانونية، ناتجة عن حالة الاضطراب السياسي والانسداد الذي لازم الدولة منذ استقلالها. فبينما تظل القوانين والنصوص الدستورية حبراً على ورق أو أدوات تُعدَّل وتُطوَّى وفق أهواء السلطة المتعاقبة، يجد المواطن – والأكاديمي والصحفي – نفسه أعزلاً أمام تغوّل النفوذ والانتهاكات. إن هشاشة المؤسسات وعدم استقرار البيئة التشريعية في السودان جعلت من القوانين جدراناً واهية لا تحمي أصحاب الحقوق، بل تضاعف من كلفة المطالبة بها، ليبقى العدل رحلة مضنية في بيئة سياسية تُدار بالمزاج والتمكين لا بسيادة القانون واستقلاله.

إن حكم القضاء البريطاني، في ذاته، سابقة لا يُستهان بقيمتها، كما أن وجود النصوص حجر أساس لا غنى عنه. لكن الاحتفاء بالنصوص يجب ألا يحجب الحقيقة الأدهى: أن وصول الحق إلى صاحبه – سواء في الغرب أو في السودان – يستغرق سنين من الفصل التعسفي والتجاهل والضغط. وتلك هي المسافة الحقيقية بين النص وتطبيقه؛ بريق في الواجهة، ومصالح تُدار خلف الستار بمنطق آخر تماما. فالحماية القانونية، مهما بدت متينة، تبقى مرهونة بقدرة الفرد على تحمّل كلفتها، لا بعدالتها المجرّدة، حين يتعلق الأمر بالملف المحظور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى