المقالات

عثمان جلال: بين المهدي والتعايشي ومأساة إعادة التاريخ

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

(1)

أورد يوسف ميخائيل في مذكراته قصص لطيفة تنم عن رواج فكرة المهدي المنتظر في غرب السودان منها أن إعرابيا زار الشيخ علي الجلة والد الناظر بابو نمر وكان يخرج إلى العراء ويستنشق الهواء وعندما سألوه عن مغزى ذلك قال إنه يستنشق رائحة المهدي المنتظر القادم . والقصة الثانية أن الصبية في مدينة الأبيض كانوا عندما يلعبون كرة القدم ينقسمون إلى فريق الترك وفريق المهدية وما إن يتغلب فريق المهدية على الترك حتى تعلو هتافات الصبية التي يستبشر بها الكبار ويرددون (أخذوا فالكم من أولادكم ) وشاعت في كل المجتمع السوداني مقولة (أليس لنا مهدي يخلصنا من هذا الظلم؟)

إنه الوعي الظلم ولم يبق للحظة الثورية إلا بروز القائد

(2)

التقط الفكرة عبد الله التعايشي وحتى تنضج اختار أن يلعب دور الرجل الثاني وإسناد القيادة لشخص من مركز الوسط النيلي لإدراكه بتفوقهم الحضاري والثقافي. في البدء حاول إقناع الزبير باشا بتبني الفكرة ولكن الزبير اتهمه بالدجل والشعوذة وأراد إعدامه ولكن استتابه وأطلق سراحه. ثم أعاد الكرة وطرح الفكرة على الشيخ محمد الشريف نور الدايم الذي اشترط عليه إجماع زعماء الطرق الصوفية في السودان. وآخيرا ترك أسرته عند ناظر الجمع الشيخ عساكر أبوكلام وركب دابته في رحلة شاقة حتى وصل قرية طيبة الحلاويين وما إن شاهد الشيخ محمد أحمد عبد الله الذي كان منهمكا في بناء ضريح لشيخه القرشي ود الزين حتى انكب يقبل يديه ورجليه وكاشفه بأنه المهدي المنتظر الذي سيخلص السودان من بطش الأتراك. وهنا تكاملت عناصر صناعة الثورة ببروز شخصية القائد محمد أحمد المهدي الذي حول حالة الوعي بالظلم الذي تراكم وسط كل قطاعات المجتمع السوداني إلى فعل ثوري منظم

(3)

قاد الإمام المهدي ثورة التحرير من معركة الجزيرة أبا 1881 إلى تحرير الخرطوم 1885م . وقد تداعت حوله الطليعة من أبناء المجتمعات السودانية أمثال أروب وبيونق من الجنوب. وآدم أم دبالو من جبال النوبة . وعمر المكاشفي من النيل الأزرق.وعثمان دقنة من شرق السودان. وآدم ود الأعيسر من الفولاني .وعلي الجلة وجاد الله ود بليلو من كردفان . ومادبو من دارفور وود النجومي من نهر النيل .وعثمان أزرق من الشمال.وعلي ودحلو وود البصير من الوسط .

هذه العبقرية في التنوع القيادي تؤكد أن الإمام المهدي أول قائد وطني بلور فكرة بناء الأمة والدولة السودانية.

(4)

لكن ارتدت عملية بناء الدولة والأمة عند تسنم التعايشي قيادة الدولة عقب الرحيل المفاجيء للإمام المهدي حيث نزع لاختزال الثورة والدولة في ذاته وأثنيته وعشيرته وكانت المحصلة الانقسام العمودي في بنية المجتمع السوداني، فكل من لا يدين بالولاء المطلق للتعايشي ينبغي التخلص منه وهكذا نصب التعايشي المشانق لقادة الثورة المهدية العظام أمثال حمدان أبوعنجة والزاكي طمل وعبد الله ود سعد وود جار النبي . ومادبو وناظر قبيلة التعايشة وضاق سجن الساير والرجاف بالآباء المؤسسين للثورة أمثال إلياس باشا أم برير وأبوقرجة ومحمد خالد زقل وإسماعيل عبد القادر الكردفاني.وارتدت المجتمعات السودانية إلى الولاءات القبلية والجهوية. ويبس الزرع وجف الضرع، واستشرت آلة قتل التعايشي حتى تناقصت أعداد السودانيين من ثمانية مليون إلى دون الخمسة وتحول شعار السودانيين من أليس لدينا مهدي يخلصنا من الظلم إلى (يالإنجليز ألفونا ) بل وانتظم الكثير من أبناء السودان في الكتائب العسكرية للجيش الغازي وقد أسند لهم كتشنر مهمة السيطرة على كل مناطق الضفة الشرقية للنهر واقتحموا الخرطوم قبل استباحة كتشنر لامدرمان.

لكن ولئن مزق التعايشي الجبهة الداخلية إلا أنه رفض الدخول في الحماية الفرنسية واختار منازلة الغزاة حتى الشهادة على فروته.

(5)

يرى هيغل في كتابه فلسفة التأريخ أن الأحداث والشخصيات العظيمة في التأريخ تظهر مرتين.بينما علق ماركس في كتابه الثامن عشر من برومير لويس بونابرت على مقاربة هيغل بأن تكرار التأريخ مرة مأساة وفي المرة الثانية مهزلة. فالتاريخ يتكرر بطريقة حلزونية صاعدة إلى الأمام وإن كان ذلك كذلك فإن المتمرد حميدتي الذي كان يشغل منصب الرجل الثاني في الدولة رغم افتقاره لأدنى مؤهلات القيادة نزع لاستلاب الدولة السودانية بالبندقية يوم 15 أبريل 2023م واستتباعها للمحور الصهيوني مقابل اختزال حكم السودان في ذاته وعشيرته وأثنيته.

(6)

لكن الشعب السوداني الحاذق في التاريخ أدرك أن هذه الحرب تستهدف هويته وشرفه وموارده لذلك لم ينتظر إعلان التعبئة والنفرة من القيادة بل سبقت إرادته في منازلة مليشيا آل دقلو الإرهابية إرادة القيادة وهذه المفارقة الكبرى في التاريخ السياسي الوطني. فالشعب السوداني هو القائد لمعركة الكرامة والجيش والقيادة هما سنده. لذلك على القيادة الاستثمار في هذا التلاحم وفتح معسكرات التدريب والتجييش في المدن والقرى . وعلى القيادة إدراك أن المعركة بين الشعب السوداني والمليشيا الإرهابية صفرية فإما القضاء عليها في الميدان أو استسلامها.وإن أي تفاوض مع المليشيا لإعادة تدويرها في المشهد السياسي سيضع القيادة في مواجهة الشعب السوداني. وأخيرا وليس آخرا على القيادة إدراك أن الشعب السوداني هو مصدر الشرعية في الحكم وأي محاولة لتكريس نظام أحادي واستبدادي ستواجه بعزائم الإرادة الشعبية التي لا تقهر.

 

الجمعة: 2026/9/11

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى