المقالات

د.لينا السماني تكتب:ماكان خيطٌ رقيق، لكن القلوب قست

تسامح نيوز | الخرطوم

يقول في عد حبات خرز انفرطت.. ما كان خيط رقيق، لكن القلوب قست، وتمكنت شمس.. وسط السماء من سكب العرق، على الجبين تغضنت من أثر التعب، وصعد الحائطَ خلسة، صدع ينهب.. كل ليل، حزمة من ذكريات، ويشق بعنف، كل الوقت.. فؤادا إذا فرغ، عبّ الصبر حتى يمتلئ.

مثلما يتسلل من بين شقوق السقف المطر، تفوح من جيبيه رائحة الفقر، وتخرج كلماته جريحة التعفف، متقطعة أوهى من أن تتضح لها نهاية، تذوي سريعا، مثلما تُطفأ نار موقده في ربع الشهر الأول. وكما يرقص العاشقون تحت غيومه، يُخرج هو إناءه الصدئ، فيستحيل الماء النقي احتفاله.

كان وجها، يطلع الصبح عليه فيلوّحه، ويقضي النهار ضاربا بعصاه أكثر الأماكن شحًا، فلا كانت تفجر العيون اثنتي عشرة، ولا تنشئ الفُلك للطوفان، ولا لظمأ الطفل أب مرسل أو أم تسعى.

لكنه بقلب ابتدع رفاهة، يقرأ الشعر على صوت بطنه، ويحوط البيت ليلا بنص من رواية نجا فيه البطل من موته، أو يعيد مشهدا توقف فيه الطفل اللقيط عن البكاء بعدما جرى الحليب في فمه، من البنت البكر.. أو أنزل الساقي حبله، ليعود الدلو بالماس وشيء من بقايا الملك، ألقاه سهوا.. حين بارك الماء.

ولما لم تُجد الأشياء كلها نفعا، ولم يستيقظ البيت من حاجته، ولم يكتس الصبيان بالثياب غزلتها الملائكة، ولم تدفع عنه القصيدة أثر الحمى والسهر، آثر الورق رمادًا على أن يبقى شاهدًا على خيبته، وأحب أن تأكله النار على أن تمضغه الحسرة قطعا صغيرة، فلا ينتهي هو، ولا هي تفتر.. ومر الوقت، وحبة خرز أخيرة، تحت الكرسي المخدوش، منسيةٌ، تفكر بألم شديد، لم لفظها العقد، وكيف انتظم دونها، ولم تلحظ أخوات لها فراغ مكانها، أو فعلن، لكن بدا لهن الصمت خيارا أسهل، من عقد ينفرط، لتبحث حباته عن حبة واحدة، ولم يكن خيط رقيق، لكنها القلوب قد بخلت.. وقست.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى