المقالات

د. ياسر محجوب الحسين: القصر.. حين تعود الهيبة سلاحا

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

انظروا إلى هذا المشهد الذي خفق له القلب، واهتزت له الجوانح، كأنما بعث من رقاد طويل، أو انبثق من ظلمات اليأس نورا ساطعا. موكب رئاسي يسير في شوارع الخرطوم، دراجات بيضاء تشق الطريق كأنها طلائع الفجر، وعربات مصفحة تحرسه كأسود تحمي عرينها، وسجادة حمراء تمتد كبساط من دماء الشهداء التي روت هذه الأرض الطيبة، وحرس شرف بزي أبيض يقف كالملائكة في صفوف متراصة، ينتظرون قدوم من يحمل على عاتقه أمانة الوطن.

ثم يدخل الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، القائد العام، إلى القصر الجمهوري، ذلك الصرح الشامخ الذي شهد من حوادث الدهر ما يُذهل العقول. على أسواره قُطع رأس غردون ذات يوم، ومن رحابه أعلن حميدتي أنه لن يخرج أبدا، فجاء الرجال الصادقون، أصغرهم يسابق أكبرهم، فانتزعوه انتزاعا، ودحروا الباطل دحرا. اليوم يعود القائد إلى مكتبه، يجلس خلفه، وعليه العلمان وشعار «صقر الجديان»، فيعلن بصمت بليغ أن الدولة لم تمت، وأن السيادة لم تُبع في أسواق المزاد، وأن القرار يُتخذ هنا، في قلب الوطن، لا في غرف التفاوض المظلمة ولا في مجالس الوسطاء.

هذا المشهد ليس استعراضا فارغا، بل رسالة تُقرأ بالقلوب قبل العيون: الدولة موجودة، ومؤسساتها تنبض بالحياة، وهيبتها تعود سلاحا أمضى من كل سلاح. وفي الوقت الذي تتراجع فيه مليشيا الدعم السريع بين روابي كردفان وتلالها الصامدة، تاركة خلفها هزائم متتالية وخيبة أمل مريرة، يعود القصر إلى أهله، وتعود الرئاسة إلى مقرها، فيسعد الشعب السوداني فرحة لا توصف، رغم ضغوط المعيشة التي تنوء بحملها الجبال، ورغم الغلاء الذي يعضّ الأنفس عضا، ورغم الآلام التي تُدمي القلوب. فكيف لا يفرح من رأى دولته تنتصر، ومؤسساتها تستعيد مكانتها، ورمزها الأعلى يعود إلى عرشه؟

يا للعجب من قوم يظنون أن الشرعية تُشترى بالشيكات، وأن المواقف تُباع بالمال، وأن الوطن يُساوم عليه في أسواق النخاسة السياسية! لقد جربنا ستين عاما نبدأ بالتفاوض ونؤجل السلاح، فكانت النتيجة حروبا متجددة ودماء مسفوكة. أما اليوم فقد انعكست القاعدة: نبدأ بالدولة، باحتكار السلاح، بجيش واحد لا شريك له، وبمؤسسات لا تُقايض ولا تُساوم. فالهيبة ليست زينة تُتزين بها، بل ركن ركين لأي سلام حقيقي. لا سلام مع من يحمل السلاح في يد والمال في أخرى، ويظن أنه يشتري الوطن بالتقسيط.

غير أن الهيبة الحقّة لا تكتمل بالإقصاء، ولا يستقيم بناء الدولة على أنقاض الاستبعاد. ولا بتدوين البلاغات ضد شرفاء الصحفيين قادة رأي معركة الكرامة، وليس من الحكمة أن يُشاد الحوار الوطني؛ على أطلال التيارات العريضة، ولا من البصيرة أن يُظن أن طرد تيار سياسي واجتماعي واسع يفضي إلى استقرار. لقد رأينا كيف أن اجتثاث حزب البعث في العراق لم يولد إلا استقطابا أشد مرارة، والسودان ليس بمعزل عن هذا الدرس البليغ. إن الحوار الذي يستثني تيارا واسعا لا يبني وطنا، بل يعيد إنتاج الانقسام، ويحوّل الأمل إلى «حوار طرشان». والخروج من الأزمة لا يكون إلا بحوار شامل لا يستثني أحدا إلا من حمل السلاح على الدولة، وعلى السلطة أن ترتفع فوق التصنيفات الحزبية، فلا تكون طرفا في الصراع، بل قائدة للجميع.

المعركة اليوم ليست في الميادين وحدها، بل في الضمائر والصور والرموز. من يظن أن المال يشتري الصمت، سيعلم أن إرادة الشعوب لا تُسعَّر، وأن كرامة الأمم لا تُباع. أمامنا طريقان لا ثالث لهما: طريق الشيكات والإقصاء الذي يقود إلى الهاوية، وطريق الدولة والحوار الجامع الذي يبدأ من هذا الموكب المبارك. والاختيار واضح جلي لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

خذ الكتاب بقوة يا برهان، وابسط الحوار لكل السودانيين لا تستثني أحدا إلا الخائنين، وامضِ على بركة الله. فالوطن أولا، والمؤسسات أولا، والسودان أولا وأخيرا. والله أكبر، والعزة لهذا الشعب الذي ما عرف الهوان سبيلا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى