
متابعات | تسامح نيوز
كتب – المسلمي البشير الكباشي
قال الفريق أول عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة الانتقالي، في خطابه بمناسبة العيد الثاني والسبعين للقوات المسلحة السودانية، إنه استجاب لمبادرة «مجموعة سودانية مستقلة» عرضت رؤيتها للعمل كآلية وطنية لتيسير حوار سوداني شامل، يهدف إلى تحقيق توافق وطني واسع يضع البلاد على مسار الاستقرار. وأضاف أن الدولة استجابت لمطالب المجموعة بتوفير ضمانات انعقاد الحوار، وتيسير مشاركة المشاركين فيه، وحماية سلامتهم.
لكن هذا الإعلان جاء بعد تسريبات سبقت الخطاب وأشعلت نقاشاً واسعاً حول الحوار المرتقب، ولا سيما بعد أن أصدرت قوى «صمود» بياناً أعلنت فيه رفضها للحوار الذي كان مصدر الدعوة إليه، في الأصل، الفريق البرهان، قبل أن ينتقل في طَوْرِه الأخير إلى مبادرة مجموعة وطنية مستقلة، بحسب ما ورد في خطابه.
ومع ذلك، واصلت «صمود» موقفها الرافض للدعوة الجديدة، ووصف خالد عمر، أحد قياداتها، المبادرة بأنها «مناورة أُعدّت في مطبخ المؤتمر الوطني». وهو ما يكشف عن اتساع الشقة بين الطرفين، وعن استعصاء الخلاف على مجرد التقريب بين موقفيهما.
فالمسألة، في عمقها، ليست خلافاً حول من يدعو إلى الحوار ومن يرفضه، ولا حتى حول مكان انعقاده أو المشاركين فيه؛ وإنما هي خلاف على وظيفة الحوار، وعلى من يملك الشرعية بعد انتهاء الحرب، وعلى طبيعة الدولة التي ستنشأ من رحم هذه الحرب.
والكل ينادي بإنهاء الحرب، لكن السؤال الأعمق هو: ماذا تعني عبارة «إنهاء الحرب»؟
الكلمة واحدة، لكن تعريفها مختلف تماماً بين الطرفين؛ إذ إن «إنهاء الحرب» عند الجيش لا يحمل المعنى نفسه الذي تحمله عند «صمود». وكلاهما يفهم العبارة في ضوء ما يريد أن يتحقق من مبتغيات ومقاصد.
فالفريق البرهان يرى أن الحوار نتيجة للحرب، بينما تراه «صمود» أداة لإنهائها.
إنهاء الحرب: تعريفان مختلفان
بالنسبة إلى البرهان، تنتهي الحرب عندما ينتهي التمرد بوصفه قوة عسكرية تسعى إلى فرض إرادتها بالسلاح. ولهذا جاء تسلسل الخطوات الذي أعلنه واضحاً: خروج القوات المتمردة من المدن والمواقع التي تسيطر عليها، ثم تجميع عناصرها في معسكرات، ثم النظر في أمر من لم يرتكبوا جرائم منهم.
وهذا التسلسل ليس مجرد تفصيل إجرائي؛ بل هو، في جوهره، تعريف سياسي لنهاية الحرب.
فالدولة، وفق هذا التصور، لا تكون قد أنهت الحرب ما دامت هناك قوة مسلحة موازية لها أو خارجة عن سلطتها. ومن هنا يصبح مبدأ احتكار الدولة للسلاح ليس مجرد قاعدة أمنية، وإنما أحد التعريفات الأساسية للدولة نفسها.
أما الرؤية المغايرة، التي تحملها «صمود»، فتنظر إلى الحرب باعتبارها نزاعاً مسلحاً لا مجرد تمرد عسكري ينبغي القضاء عليه؛ أي أنها تراها صراعاً على مستقبل السلطة، وعلى شكل الجيش، وعلى طبيعة الدولة نفسها. وهي هنا تتوافق تماماً مع مرئيات الدعم السريع .. وقد تم التوافق بينهما على ذات المعاني بأديس ابابا في العاشر من يناير 2024م في الاتفاق الذي وقعه قائد التمرد محمد حمدان دقلو ورئيس (صمود )عبد الله حمدوك التي كانت تسمى (قحت) يومها وحضره عدد من رموزها وبينهم محمد حسن التعايشي ،رئيس وزراء حكومة تأسيس في نيالا عاصمة الدعم السريع .
ومن ثم فإن الحل، وفق هذا التصور، ليس استسلام طرف، وإنما تسوية بين أطراف الصراع، يعقبها إعادة تركيب للنظام السياسي والعسكري.
ولهذا تضع «صمود» سلسلة مختلفة للحل: وقف الحرب أولاً، ثم هدنة إنسانية، تليها ترتيبات أمنية، ثم عملية سياسية شاملة، ثم إعادة بناء المؤسسة العسكرية والدولة، بما يقود في نهايته إلى استعادة مسار ثورة ديسمبر واستئناف نمط الحكم الذي سبق إجراءات 25 أكتوبر 2021م .
والمعنى السياسي العميق لهذا التصور هو أن القوة التي دخلت الحرب لا تختفي بمجرد وقف إطلاق النار؛ وإنما تتحول من قوة مقاتلة إلى طرف في الهندسة السياسية والأمنية الجديدة. أي أن من دخل الحرب بقوة السلاح ينبغي، وفق هذا المنطق، أن يخرج منها بوزن سياسي وعسكري، بحيث يتحول وجوده العسكري إلى ترتيبات سياسية وأمنية، وتتحول قوته العسكرية إلى رأس مال سياسي.
وهنا يصبح مفهوم «لا غالب ولا مغلوب» أكثر من مجرد شعار لإنهاء الحرب؛ فهو يعني عملياً منع أي طرف من تحويل التفوق العسكري إلى حق منفرد في تحديد شكل الدولة المقبلة، وتحويل القوة العسكرية للطرفين إلى أوراق تفاوض سياسية، بحيث تنتج السياسة ما عجز السلاح عن إنتاجه.
ومن هنا يتضح التصادم بين منهجي الطرفين وأهدافهما. فهما لا يختلفان فقط حول الحوار، وإنما حول ما الذي ينبغي أن ينتجه الحوار أصلاً.
صراع على الشرعية بعد الحرب
إذا دققنا أكثر، سنجد أن السؤال الحقيقي هو: من يملك حق تعريف نهاية الحرب؟
فالطرف الذي يفرض تعريفه لنهاية الحرب يقترب، بالضرورة، من امتلاك حق تحديد شكل المرحلة التي تليها.
إذا انتصر تعريف الجيش، فإن نهاية الحرب تعني إنهاء القوة العسكرية الموازية للدولة واحتكار الدولة للسلاح، ثم الانتقال إلى ترتيب الدولة سياسياً بعد انتهاء الصراع.
أما إذا انتصر تعريف «صمود»، فإن نهاية الحرب تعني تسوية سياسية وأمنية لا تلغي بالضرورة الأوزان التي أنتجتها الحرب، وإنما تنقلها من الميدان إلى طاولة التفاوض.
وهكذا فإن المعركة ليست فقط حول من يسيطر على الأرض، وإنما أيضاً حول متى تنتقل القوة من الميدان إلى السياسة، وكيف تتحول نتائج الحرب إلى شرعية سياسية.
رهانات «صمود» والجيش
ولقراءة اتجاهات هذه الرهانات، يمكن النظر إلى مؤشرات قوة موقف كل من «صمود» والجيش، الذي يمثل اليوم مركز ثقل الدولة، إلى جانب القوى السياسية والاجتماعية المؤيدة له.
أول رهانات «صمود» هو رصيد ثورة ديسمبر 2018م التي أسقطت نظام الرئيس عمر البشير في أبريل 2019م ، وما ترتب عليها من سلطة انتقالية تشكلت بالشراكة بين قوى الحرية والتغيير (قحت)وتشكل (صمود ) آخر تمحوراتها والمكون العسكري، قبل أن يضع انقلاب 25 أكتوبر 2021 حداً لذلك الترتيب.
لكن مشروعية الثورة تآكلت لاحقاً بفعل بؤس الأداء التنفيذي خلال الفترة الانتقالية، ثم بسبب موقف القوى المدنية من الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023م ، ولا سيما ما رآه قطاعات واسعة من السودانيين عجزاً عن إدانة الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع بحق المدنيين من قتل ونهب واغتصاب وإهدار للكرامة. وقد التحق بعض مكونات الثورة بالقتال في صف الجيش اثر هذه التطورات مثل مجموعة (غاضبون )
وزاد من تآكل هذا الرصيد موقفها السياسي الذي بدا، أقرب إلى توفير طوق نجاة سياسي للدعم السريع، والرهان على صموده العسكري بما يوفر له ورقة تفاوضية على طاولة التسوية.
غير أن الدعم السريع يواجه اليوم حالة من الهشاشة والتضعضع الميداني، مع تراجع قدرته على التعبئة والتجنيد وتآكل قاعدة الحرب، كما أن عجزه عن تحقيق اختراقات عسكرية كبيرة يضعف قدرته على إنتاج أوراق ضغط جديدة في أي مفاوضات مقبلة مع الجيش.
وبذلك يبقى الرهان الأبرز لـ«صمود» هو الدعم الدولي والإقليمي، وهو رأس مال سياسي مهم، لكنه في الوقت نفسه شديد التقلب، تحكمه حسابات المصالح وتغير موازين القوة والوقائع على الأرض.
أما الجيش، فمن الواضح أنه يمسك بزمام المبادرة العسكرية والسياسية بدرجة أكبر مما كان عليه الحال في مراحل سابقة. ففي الأشهر الستة الأخيرة، استطاع أن يحول حالة الجمود العملياتي إلى فاعلية ميدانية، محققاً تقدماً واضحاً استعاد به مدناً وبلدات استراتيجية في شمال كردفان، من بينها بارا وجبرة الشيخ، ووسع عمقه العملياتي غرباً حتى تخوم سودري، كما حيّد بدرجة كبيرة خطوط إمداد الدعم السريع من شمال دارفور باتجاه كردفان.
وهذه التطورات لا تعني بالضرورة أن الحرب حُسمت، لكنها تعني أن الميزان الذي تدخل به الأطراف إلى أي تفاوض مقبل لم يعد هو الميزان نفسه الذي كان قائماً قبل أشهر.
«المجموعة المستقلة».. من أين تستمد شرعيتها؟
أما الحوار في طوره الجديد، الذي أعلنه البرهان ونقل تنفيذه إلى لجنة مستقلة قال إنها صاحبة المبادرة، فقد أطلق غباراً سياسياً كثيفاً، وأثار أسئلة أكثر مما قدم من إجابات، رغم رفض «صمود» له.
وأول هذه الأسئلة يتعلق بالمجموعة المستقلة ذاتها.
فإذا كانت الدولة قد استجابت لمطالبها ووفرت لها ضمانات انعقاد الحوار وتيسير مشاركة أطرافه وحماية المشاركين، فمن الذي أنشأ هذه المجموعة؟ وما مصدر تفويضها؟ وما حدود هذا التفويض؟ ومن أين تستمد حقها في تحديد من يمثل السودانيين، ومن يحق له المشاركة، ومن ينبغي استبعاده؟
وهذه الأسئلة تقود مباشرة إلى مسألة الشرعية.
فـالاستقلالية لا تعني بالضرورة التفويض، والتفويض لا ينشأ من مجرد إعلان الاستقلالية.
إذا كانت المجموعة مستقلة ومفوضة بالفعل، فهل تملك أن تحدد المشاركين وأجندة الحوار ومكانه وزمانه، وأن تدير العملية وصولاً إلى مخرجاتها؟
وإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال يصبح: من فوضها في تحديد من يحق له الحوار بشأن مستقبل السودان؟
وهنا تفتح المسألة، من حيث لا تريد، الباب أمام القوى التي يفترض البعض ضرورة إقصائها، ومنها المؤتمر الوطني، خصوصاً أن خطاب البرهان الأخير لم يكرر العبارة السابقة التي كانت تستثنيه صراحة.
وقد يكون هذا الغياب مقصوداً، إذ إن نقل مسؤولية تحديد المشاركين إلى مجموعة مستقلة يتيح للبرهان أن يقول: أنا لم أقص أحداً؛ السودانيون هم الذين سيحددون من يشارك.
لكن إذا كانت المجموعة مستقلة حقاً، فمن الصعب أن تستجيب لرغبة مسبقة في إقصاء طرف بعينه. وإذا فعلت ذلك، فإنها تخاطر بإسقاط الأعمدة التي تقوم عليها فكرتها: الاستقلالية، وحرية التقدير، والتفويض.
أما إذا لم يكن لديها تفويض أصلاً، فإن السؤال يعود من جديد: من منحها سلطة تحديد من يمثل السودان؟
مخرج ممكن
ولعل المخرج من هذه المعضلة أن تتحول المجموعة من لجنة لإدارة الحوار إلى لجنة لتأسيس شروط الحوار.
أي أن تكون مهمتها، في هذه المرحلة، التشاور مع مختلف القوى السودانية، واستكشاف صعوبات الحوار، والتوافق على معايير المشاركة، وقواعد إدارة العملية، وأجندتها، وضماناتها، بدلاً من القفز مباشرة إلى إدارة حوار لم تتفق الأطراف بعد على طبيعته ولا على أطرافه.
فاستكشاف مصاعب الحوار بين السودانيين، والعمل بنفس طويل على حلحلة عقده، وتسليك طرائق التفاهم قبل الوصول إلى التصادم، هو أيضاً دور وطني يحتاج إلى من يضطلع به.
مكسب البرهان السياسي
أما الفريق البرهان، فقد يكسب من هذه الخطوة مدخلاً مهماً للبحث عن قدر أكبر من التفهم الدولي.
فهو الآن يستطيع أن يقدم نفسه باعتباره صاحب موقف إيجابي معلن تجاه الحوار، لكنه ليس طرفاً فيه؛ بل راعٍ ومسهّل لحوار سوداني مستقل.
ويمكنه أن يقدم للضاغطين عليه رواية بسيطة، وربما مربكة لهم:
«أنا أدعو السودانيين إلى الحوار داخل السودان، وأقدم كل ما يطلبه القائمون عليه لتهيئة مناخه سياسياً وقانونياً وأمنياً، وهم يصرون على رفضه».
وهذا تحول مهم في الخطاب السياسي للبرهان، حتى لو لم يؤدِ في حد ذاته إلى انعقاد الحوار.
المشكلة ليست في الحوار.. وإنما في توقيته
لكنني أعتقد أن السبب الأعمق لفشل الحوار السوداني المزمع قد لا يكون رفض المستهدفين به للحوار في ذاته، وإنما توقيت الحوار.
فالصلاة، في الفقه، لا تجوز قبل ميقاتها، والزمن في السياسة يشبه الزمن في الموسيقى؛ فإذا لم ينضبط الإيقاع اختل اللحن وجاء نشازاً.
وللحوار السياسي، هو الآخر، ميقات.
والحرب على اشدها ،والتحدي الماثل لمركز ثقل الدولة وهو الجيش والقوى المساندة له سياسياً وميدانياً هو كسبها ، لا صرف النظر عنها بمحاولات حوار لم تنضج ظروفه ،وحين تنضج ، تشخص شروط الحوار ،ويؤذن مؤذنه .





