السفير رشاد فراج الطيب: ترامب – نتنياهو .. يخوضان الحرب بأفكار اللاهوت والنبوءات التلمودية !
متابعات | تسامح نيوز

السفير رشاد فراج الطيب: ترامب – نتنياهو .. يخوضان الحرب بأفكار اللاهوت والنبوءات التلمودية !
السفير رشاد فراج الطيب
في أعقاب الجدل الذي أثاره تسريب مقطع مصوّر من حفل ديني مغلق أُقيم في البيت الأبيض بمناسبة عيد الفصح لهذا العام ، ظهر Donald Trump في خطاب مطوّل اتسم بلغة مشبعة بالرمزية الدينية ، مستحضراً مفردات تتصل بالقيامة والخلاص والدور التاريخي ، في مشهد لم يكن موجهاً للرأي العام بقدر ما كان تعبيراً داخلياً أمام نخبة من القادة الدينيين .
وقد اكتسب هذا الحدث أبعاداً أوسع بعد تناول الكاتبة سارة باكستر له بالتحليل ، حيث رأت فيه نافذة كاشفة لطبيعة العلاقة بين الدين والسياسة في تجربة ترمب ، وللكيفية التي يُعاد بها توظيف الرموز الدينية في صياغة الخطاب السياسي .

لم يكن التقارب بين Donald Trump وBenjamin Netanyahu مجرد تحالف عابر تحكمه ضرورات المصالح أو توازنات القوة التقليدية ، بل جاء في سياق أعمق يكشف عن تلاقي رؤيتين تتجاوزان حدود البراغماتية السياسية إلى فضاء أيديولوجي مشبع بالرمزية الدينية والتاريخية
فالمتابع لتطور هذا التحالف يلحظ أنه لم يُبن فقط على أسس استراتيجية ، وإنما على انسجام في تصور العالم ، حيث تتداخل العقيدة مع السياسة ، ويُعاد تعريف الشرعية على نحو يتجاوز القواعد المستقرة في النظام الدولي .
لقد أظهرت تجربة ترمب في الحكم ، خاصة في لحظات بعينها مثل خطاباته ذات الطابع الديني ، ميلاً واضحاً إلى توظيف الرمزية الدينية في بناء صورة ذات بعد رسالي ، لا تكتفي بشرعية الصندوق الانتخابي ، بل تستدعي مفردات ( الاختيار )التاريخي والدور الاستثنائي .
ولم يكن ذلك منفصلاً عن البيئة الحاضنة له داخل الولايات المتحدة ، حيث يشكل التيار الإنجيلي قوة اجتماعية وسياسية مؤثرة ، تنظر إلى العالم من خلال سرديات كبرى تمزج بين الدين والسياسة ، وتمنح دعماً سياسياً لمن يقترب من رؤيتها أو يحقق بعضاً من أهدافها .
وفي قلب هذه الرؤية تبرز أفكار لاهوتية ذات أثر مباشر على السلوك السياسي ، من بينها الاعتقاد بضرورة تهيئة العالم لعودة ( المسيح ) ، وما يرتبط بذلك من تصورات حول معركة فاصلة يُشار إليها باسم ( هرمجدون ) ، حيث يُنظر إلى الشرق الأوسط بوصفه مسرحاً لأحداث كونية كبرى .
وفي هذا الإطار يكتسب دعم إسرائيل بعداً يتجاوز الحسابات السياسية والمصالح المشتركة ، ليغدو جزءاً من تصور ديني يرى في قيام دولة Israel وتفوقها تمهيداً لتحقيق ( نبوءات ) مرتبطة بنهاية التاريخ !!
هذا التصور يلتقي في جانب منه ، مع مفاهيم راسخة داخل الفكر الديني اليهودي ، وعلى رأسها فكرة ( شعب الله المختار ) ، التي تُستخدم في بعض القراءات المعاصرة لتأكيد خصوصية المشروع الصهيوني ومنحه بعداً يتجاوز الإطار القومي إلى بعد ديني وتاريخي .
وعند هذه النقطة يحدث تلاقٍ بين ( الصهيونية المسيحية ) و( الصهيونية اليهودية ) ، ليس بوصفه اندماجاً كاملاً ، بل كتقاطع وظيفي بين مشروعين متقاربين في المنطلق ، متوافقين في الغاية ؛ إذ ترى الأولى في دعم إسرائيل تحقيقاً لنبوءاتها ، بينما تجد الثانية في هذا الدعم رافعة سياسية واستراتيجية كبرى .
في هذا السياق يصبح التحالف مع حكومة Benjamin Netanyahu أكثر من مجرد التزام استراتيجي ، إذ يتغذى من هذه الروافد الفكرية التي تمنحه زخماً يتجاوز حدود السياسة التقليدية .
وتتجلى نتائج هذا التداخل بوضوح في قرارات مفصلية خلال عهد ترمب ، وفي مقدمتها الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ، وهو قرار لا يمكن فهمه فقط في إطار الحسابات السياسية ، بل يتطلب قراءة في ضوء الخلفيات الأيديولوجية والدينية التي شكلت سياقه .
فقد مثّل هذا القرار استجابة لرؤية ترى في القدس مركزاً دينياً وتاريخياً ، لا يخضع لمعادلات التفاوض بقدر ما يرتبط بمفهوم ( الحق ) كما يُفهم ضمن تلك السرديات .
ولم يقتصر الأمر على هذا القرار ، بل امتد إلى نمط أوسع من السياسات التي أعادت تعريف التحالفات والخصومات ، حيث برز خطاب يميل إلى تصوير الصراع في الشرق الأوسط ، بل وفي العالم ، بوصفه صراعاً ذا أبعاد حضارية وقيمية ، لا مجرد تنافس جيوسياسي علي النفوذ .
وفي هذا الإطار تتراجع المساحات الرمادية التي تتيح التسويات ، لصالح رؤى حادة تقسم العالم إلى معسكرات متقابلة ، تُستحضر فيها مفاهيم الخير والشر ، والنهاية والبداية ، في صياغات أقرب إلى اللاهوت السياسي منها إلى المفاهيم التقليدية للصراع والحرب .
إن ما يميز هذا النموذج ليس فقط توظيف الدين في السياسة ، بل إعادة تشكيل السياسة ذاتها وفق بنية دينية ، بحيث تصبح القرارات الكبرى مشبعة بدلالات تتجاوز الواقع المباشر ، وتمتد إلى أفق رمزي يتصل بفكرة المصير التاريخي أو الكوني .
وهنا تتداخل حدود تديين السياسة وعسكرة الدين، في علاقة تبادلية تُستخدم فيها الرمزية الدينية لإضفاء الشرعية ، بينما يُعاد تأويل النصوص والمفاهيم الدينية بما يخدم أهدافاً سياسية محددة .
غير أن هذا المشهد على ما فيه من حضور واضح للمحددات الدينية ، لا ينبغي أن يُختزل في كونه حرباً دينية صرفة أو مشروعاً موحداً موجهاً ضد الإسلام والمسلمين على نحو شامل ، إذ تظل السياسة الأمريكية حتي في ذروة صعود الخطاب الديني في عهد Donald Trump محكومة بشبكة معقدة من المصالح الاستراتيجية والاقتصادية وموازين القوى الدولية ، كما أن الداخل الغربي ذاته يشهد انقساماً واضحاً بين تيارات دينية وعلمانية ، ولا يمثل اليمين الإنجيلي فيه حالة إجماع مطلق .
وعليه فإن الأدق توصيفاً هو أننا أمام صراعات كبرى تُعاد صياغتها بلغة دينية وتُشحَن برمزيات عقدية ، بما يزيد من حدتها ويُضفي عليها طابعاً وجودياً ، دون أن يلغي ذلك جذورها السياسية والتاريخية العميقة .
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية ، إذ إن استمرار هذا التداخل بين العقيدة والسياسة يدفع نحو تقليص فرص التسوية ، ويُمهّد لصراعات مفتوحة يصعب احتواؤها ، لا لأنها دينية بالمعنى الخالص ، بل لأنها تُدار بعقلية ترى في الصراع امتداداً لمهمة تاريخية أو قدر محتوم .
من هنا يمكن القول إن التحالف بين Donald Trump وBenjamin Netanyahu لم يكن مجرد محطة في مسار العلاقات الدولية ، بل تعبيراً عن لحظة أوسع يُعاد فيها تعريف دور القوة ، وحدود السياسة ، ومعنى الشرعية .
وهي لحظة تشير إلى انتقال تدريجي من عالم تحكمه المصالح القابلة للتفاوض والتعايش ، إلى عالم تتزايد فيه النزعات الأيديولوجية ذات الطابع الديني ، بما يحمله ذلك من تداعيات عميقة على طبيعة الصراع وإمكانيات الاستقرار في النظام الدولي .




