المقالات

عادل الباز: من يهرب الذهب.. ومن يحمي المهربين؟! (2)

متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز

1

سؤالان ملحّان طافا بخاطري وأنا أشرع في كتابة هذا المقال:

السؤال الأول:

تُرى ما الفائدة أن تقول الحكومة للشعب إنها أنتجت 70 طناً، منها 55 طناً لا تعرف أين ذهبت، أو تم تهريبها بلا أي عوائد تعود على الخزينة؟ ما المبهج في هذا النبأ الأليم الذي يتكرر كل عام؟

السؤال الثاني:

ما هو التهريب؟ أو ماذا نقصد تحديداً بكلمة “تهريب الذهب”؟

تُعرف الحكومة “تهريب الذهب” بأنه الذهب الذي يكون في طريقه إلى خارج البلاد، أو يخرج بالفعل بغير القنوات والإجراءات والمستندات الرسمية. وهذا التعريف الضيق هو أصل المشكلة.

أما كل الدول الإفريقية المنتجة للذهب فتُعرف تهريب الذهب بتعريف أوسع وأدق: كل ذهب بحوزة أي شخص أو جهة لا يملك شهادة رسمية تثبت ملكيته والجهة التي تم شراؤه منها، مع ذكر الأرقام والإيصالات المحددة. وبغير ذلك يُعتبر ذهباً مهرباً غير شرعي يُصادر فوراً وتتم محاكمة حامله. وبهذا التعريف الواضح تسيطر الدول على ثروتها الوطنية.

2

هكذا، كلما حفرت في صحراء الذهب، تجد عروق الفساد تمتد عبر سوء الإدارة والتنظيم، وهي للأسف امتدت عبر السنوات والحكومات المتعاقبة وحتى اليوم. سياسات متضاربة، وقوانين سائبة، وقرارات متناقضة أدت إلى هدر مليارات الدولارات.

3

في الحفريات التي أقوم بها حالياً في قطاع الذهب، وفي الجزء الأول من هذا المقال، اكتشفنا أن الحكومة نفسها هي المسؤول الأول عن تهريب الذهب، سواء مباشرة أو من خلال شركاتها.

وفي هذا الجزء الثاني سنرى كيف ساهمت سياساتها المربكة والمتناقضة — التي تتغير كلما تغيرت إدارة في بنك السودان أو شركة المعادن — في عدم استقرار قطاع الذهب، وفتحت الطريق أمام التهريب، وحصدت نتائج كارثية.

4

تتخذ الحكومة سياسات مربكة ومتناقضة، منها:

تارة تفتح تصدير الذهب للقطاع الخاص والشركات الحكومية.

ثم تعود فتحتكره لبنك السودان.

تحدد الحد الأدنى للتصدير، ثم تخفضه إلى كيلوغرام واحد.

تتبنى أحياناً الحل الأمني لمكافحة التهريب، ثم تتراجع وتعتمد شراء الذهب بسعر البورصة العالمية.

هذه السياسات المتقلبة هي المسؤول الأول عن العبث المستمر، وساهمت في تهريب نحو 80% من الذهب المنتج والمعلن رسمياً.

5

السبب الثاني هو أن الحكومات المتعاقبة وحتى الآن عجزت عن تبني استراتيجية واحدة متفق عليها من كل الجهات المعنية. فالتنسيق بين وزارة المعادن وبنك السودان والجهات الأمنية والقانونية غائب تماماً، وحتى المعلومات بين هذه الأطراف متضاربة، مع سياسات متناقضة داخل القطاع نفسه وغير مستدامة. كل جهة لها رؤيتها الخاصة، مما حوّل قطاع الذهب إلى ساحة فوضى مستمرة.

المشكلة أن كل جهة حكومية تريد أن تبني «مملكتها الخاصة» داخل الدولة، وتقرر فيها ما تشاء دون رقيب أو استراتيجية وطنية موحدة.

بدلاً من وجود مجلس وطني واحد لإدارة قطاع المعادن يجمع كل الأطراف، ويتبادل المعلومات يومياً، ويتخذ قرارات موحدة، نجد لجان تنسيق تُشكّل وتُحل دون أن تصلح أي خلل في القطاع، وما أكثر اختلالاته.

6

النتيجة المأساوية:

في نهاية عام 2025، أعلنت وزارة المعادن في بيانها الرسمي أن قطاع المعادن أنتج 70 طناً من الذهب، بينما أفاد تقرير بنك السودان (موجز التجارة الخارجية 2025) بأن الكمية المصدرة رسمياً لم تتجاوز 14 طناً فقط.

النتيجة: هدر يقارب 8.5 مليار دولار سنوياً.

الإنتاج المعلن (2025): 70 طناً بقيمة حوالي 10 مليار دولار.

الصادر الرسمي: 14 طناً بقيمة مليار وخمسمائة وستة وثلاثين ألف دولار.

أي تم إهدار مبلغ: 8.5 مليار دولار.

هذه هي النتيجة، أو المأساة، أو سمّها ما شئت. إذن ماذا فعلت الجهات المسؤولة لحلها؟ للأسف لا شيء ذي قيمة له نتائج فعلية.. كما سنرى.

نواصل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى