الذهب بدل الدولار: هل ينجح بنك السودان في تمويل الوقود بقفزة نقدية غير تقليدية؟!
متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز
كتب – هجو أحمد محمد
في خطوة لافتة أقدم بنك السودان المركزي على اشتراط إيداع (200 كيلوغرام) من الذهب كـ(ضمان عيني) لشركات استيراد الوقود، مقابل الحصول على شهادة (عدم الممانعة) من وزارة الطاقة. قرار أثار جدلاً واسعاً بين مؤيد يراه ضرورة ملحة، ورافض يعتبره تعقيداً للاستيراد. ولكن، بعيداً عن الانطباعات الأولى، ما هي حقيقة هذا القرار؟ وما أبعاده الاقتصادية في ظل حرب تستنزف موارد البلاد؟
*سياسة نقدية ذكية غير تقليدية :*
لا يمكن فهم هذا القرار بوصفه إجراءً جمركياً أو شرطاً بيروقراطياً عابراً، بل هو، في جوهره، (سياسة نقدية غير تقليدية) تلجأ إليها البنوك المركزية في ظروف الحروب والأزمات القصوى حيث يتم تجاوز الأدوات التقليدية (كأسعار الفائدة ونسب الاحتياطي) إلى الاعتماد المباشر على هيكل الأصول والضمانات داخل الجهاز المصرفي. ببساطة، يخبر (بنك السودان ) شركات (الاستيراد) أن تودع (الذهب) مقابل شهادة (عدم الممانعة) لشراء (الوقود) إنها مقايضة عصرية يتحول فيها الذهب من (كنز ساكن) إلى سيولة عاملة.
*القرار يجمع بين ثلاثة مدارس نقدية ولا ينتمي إلى مدرسة نقدية واحدة*
· *سياسة الضمانات النقدية:* حيث يستخدم البنك المركزي الذهب كضمان بديل عن النقد الأجنبي، مما يخلق عملة موازية مضمونة داخل النظام المصرفي. فالمستورد لم يعد بحاجة إلى دولار نقدي، بل إلى وديعة ذهبية تعادل قيمته.
· *سياسة استبدال الأصول:* حيث يستبدل البنك المركزي أصلاً استراتيجياً (الذهب) بديلاً لإنفاق الاحتياطي السائل (الدولار)، تماماً كما تفعل البنوك المركزية في حروب العقوبات أو عند انقطاع مصادر النقد الأجنبي.
· *نافذة تمويل المستوردين بالذهب:* حيث يقدم البنك تسهيلاً مستندياً مقابل وديعة ذهبية.
*استخدام الذهب كسلاح نقدي :*
هناك كثير من السوابق التاريخية التي استُخدم فيها الذهب ك(سلاح نقدي) وما يقوم به بنك السودان اليوم له نظائر في تاريخ السياسات النقدية للحروب. ففي سوريا، بعد تآكل الاحتياطي الأجنبي اشترط إيداع ذهب أو وثائق تأمينية للمستوردين الرئيسيين للمواد الغذائية والمحروقات. بل وحتى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في الحرب العالمية الثانية أدار برنامجاً غير معلن باسم (الذهب مقابل القوة) طلب بموجبه ضمانات ذهبية من شركات استيراد المواد الاستراتيجية والسودان اليوم يسير في هذا الطريق، لكن في ظل ظروف أكثر قسوة وحصاراً وحرب اقتصادية.
*الأبعاد الاقتصادية – لماذا الآن؟*
يعيش السودان حرباً وجودية مركبة تمتد إلى الساحة الاقتصادية التي أطاحت بمقومات الاقتصاد، وتسببت في تراجع الإيرادات، وتآكل الاحتياطي الأجنبي، وانهيار سعر الصرف، وارتفاع التضخم. في هذا السياق، أصبح استيراد الوقود – وهو شريان الحياة لأي مجتمع – عبئاً ثقيلاً فالدولار النادر إما يُنفق على الوقود على حساب الدواء والغذاء، أو يُمنع الاستيراد وتشتد أزمة الطاقة.
قرار بنك السودان الحالي يقدم مخرجاً وحلاً لمعضلة استيراد الوقود دون المساس بالاحتياطي النقدي الأجنبي، مستعيناً بأصل محلي وهو الذهب. وهنا تكمن المعالجات النقدية الذكية تحويل نقطة ضعف (نضوب الدولار) إلى نقطة قوة (استثمار الذهب الخام).
*الفوائد الاقتصادية والمكاسب الاستراتيجية*
من منظور اقتصاد الحرب، يحقق هذا القرار أربع فوائد لا يمكن للسياسات التقليدية بلوغها:
1. حماية الاحتياطي الأجنبي: فكل برميل وقود يُستورد عبر وديعة ذهبية هو برميل لم يُدفع ثمنه من آخر دولار في البنك المركزي، مما يحافظ على السيولة والاحتياطات النقدية.
2. التحكم في عرض النقود: منع الاستيراد غير المضمون يعني تقليل الطلب على النقد الأجنبي، وبالتالي تقليل الحاجة لطباعة العملة المحلية لتدبير الدولار، والسيطرة على التضخم.
3. استقرار سعر الصرف: كلما قلت حاجة المستوردين للدولار عبر السوق الموازي (بسبب الضمان الذهبي المباشر)، ضغط ذلك على تثبيت السعر الرسمي وتقليص الفجوة السعرية بين السوقين.
4. تطهير سوق الاستيراد ودمج الاقتصاد غير الرسمي: شرط إيداع 200 كيلو ذهب ليس سهلاً؛ إنه حاجز طبيعي يسقط عنده (السماسرة) و(الشركات الوهمية) كما أن إجبار الشركات على إثبات مصدر الذهب يدفع كميات كبيرة من الذهب المخزّن في الخزائن الخاصة أو المهرب إلى الدخول في القنوات المصرفية الرسمية.
*التحديات وضمانات نجاح القرار*
لا يمكن إغفال أن نجاح هذا القرار مرهون بضمانات صارمة فبدونها، قد يتحول إلى أداة بيروقراطية معطلة أو فساد جديد. أبرز هذه الضمانات:
· تقييم شفاف للذهب: باعتماد أسعار عالمية يومية ولجنة فنية مستقلة لمعاينة النقاء والوزن.
· رقابة مشددة على مسار الوقود: من المنشأ إلى التوزيع، لضمان عدم تهريبه أو بيعه في السوق الموازي.
· فصل حسابات الذهب المودع: عن احتياطي الذهب الرسمي للدولة، وتسجيله كأصول مقابلة لالتزامات مؤقتة.
· عقوبات رادعة: تشمل مصادرة الذهب بالكامل في حال أي تلاعب أو تأخير غير مبرر.
· التنسيق والتكامل المؤسسي: بين بنك السودان ووزارة الطاقة، بحيث لا تصدر أي موافقة دون التحقق من الضمان.
وهنا لابد من الإشارة إلى نقطة مهمة: هل سيحرم القرار الشركات الصغيرة من فرصة الاستيراد؟ والحقيقة أن استيراد الوقود تجارة رأسمالية بامتياز، ولا وجود لـ(شركة صغيرة) تستورد كميات تجارية. وإذا وجدت، فبوسعها التحالف مع غيرها لتجميع الوديعة. العبرة بالملاءة المالية لا بحجم الشركة.
ختاما لا يمكن تقييم هذا القرار بمعايير الاقتصاد التقليدي في وقت السلم. إنه قرار وُلِد من رحم الحرب ويهدف إلى حماية مقدرات البلاد. هو ليس مثالياً، لكنه أفضل البدائل المتاحة. فالبديل هو استمرار استنزاف الاحتياطي حتى الصفر، أو طباعة النقود لشراء الدولار – وهو ما يعني تضخماً جامحاً يلتهم دخل المواطن.
هذا القرار يستخدم الذهب كآلية تحكم، ويمثل تحولاً من اقتصاد الاستجداء إلى اقتصاد الضمانات الحقيقية. من يريد الاستيراد في زمن الحرب، فعليه أن يدفع الثمن – ليس دولارات بل ذهباً. هذه هي واقعية السياسة النقدية عندما تواجه الانهيار. فاقتصاد الحرب لا يُدار بالمثاليات، بل بالحلول التي تعمل.





