
متابعات | تسامح نيوز
كتب -عمار العركي
هل نحن أمام أزمة مؤسسا أم تداخل صلاحيات؟
من يصنع القرار ومن يعطله؟ وهل تُقدَّم الاعتبارات على الكفاءة؟
في العمل الصحفي، قد يسبق الخبرُ الحقيقةَ أحياناً، وقد تتأخر الحقيقة عن الخبر أحياناً أخرى. وبين هذا وذاك، لا يكون دور الكاتب المُحلل أن يطارد الشائعات، ولا أن ينتظر اكتمال الصورة إلى الحد الذي يفقد معه التحليل قيمته، وإنما أن يقرأ الوقائع، ويجمع المؤشرات، ويستوثق من المعلومات، ويقارن بين الروايات، ثم يقدم للقارئ قراءة تستند إلى ما يتوافر من معطيات، مع إبقاء الباب مفتوحاً لما قد تكشفه التطورات اللاحقة.
عليه، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة الجدل الذي أحاط بقرار تعيين السفير إدريس محمد علي ونفيه، ليس من زاوية صحة التعيين أو عدم صحته، وإنما من زاوية ما كشفته هذه الواقعة عن طريقة صناعة القرار داخل مؤسسات الدولة.
فالمفارقة الأولى أن النفي لم يصدر عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء، صاحبة الاختصاص الأصيل في إعلان قرارات المجلس، ولا عن وزارة الخارجية بوصفها الجهة المعنية، ولا عن مكتب رئيس الوزراء، وإنما جاء عبر المكتب الصحفي بوزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة.
وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا تحدثت جهة غير مختصة، بينما غابت الجهات صاحبة الاختصاص؟ ولماذا صمتت منصات مجلس الوزراء ووزارة الخارجية؟ هل كان ذلك مجرد ارتباك في إدارة الرسالة الإعلامية، أم نتيجة تداخل في الصلاحيات، أم أن جهات الاختصاص لم تُتح لها فرصة الحديث؟ أسئلة بلا إجابات حتى الآن، لكنها تكشف خللاً في إدارة الاتصال الحكومي، إذ إن تضارب الرسائل الرسمية يغذي الشائعات أكثر مما يبددها.
وفي المقابل، برز مشهد آخر يستحق التأمل. فخلال ساعات قليلة من تداول خبر التعيين، امتلأت منصات التواصل ووسائل الإعلام بكتابات تؤيد اختيار السفير إدريس محمد علي وتشيد بكفاءته وخبرته، في حالة من الإجماع النادر، ربما لم يحظ بها أي ترشيح مسؤول حكومي في الفترة الأخيرة.
وكان ذلك أشبه باستفتاء غير معلن على الكفاءة؛ إذ تجاوز التأييد الانتماءات والاصطفافات، وانصب على السجل المهني للرجل فحسب، وهي رسالة تؤكد أن المؤسسة الدبلوماسية وقطاعات واسعة من الرأي العام لا تزال قادرة على التوافق عندما يكون معيار الاختيار هو الكفاءة.
ومن أكثر المواقف دلالة، ما حدثني به أحد السفراء المخضرمين بوزارة الخارجية عقب تداول خبر التعيين؛ إذ أوضح أن العرف داخل الوزارة جرى تاريخياً على أن يكون وكيل الخارجية من بين أقدم السفراء. لكنه، ورغم أن هذا التقليد كان يضع محدثي ضمن المرشحين الطبيعيين للمنصب، أبدى تأييده الكامل لتكليف السفير الشاب إدريس محمد علي، انطلاقاً من قناعته بضرورة إفساح المجال لجيل جديد من القيادات، وإيمانه بكفاءة الرجل وقدرته على قيادة العمل التنفيذي بالوزارة. وذلك موقف يجسد مدرسة الخارجية السودانية في أفضل صورها؛ مدرسة تنتصر للمؤسسة قبل الأشخاص، وتقدم المصلحة العامة على الطموحات الفردية، وتؤمن بأن تجديد الدماء لا يتعارض مع احترام الخبرة، بل يكتمل بها.
غير أن أهمية هذه الواقعة لا تقف عند حدود وزارة الخارجية. ففي بنك السودان المركزي مُنحت شركة «عسجد» ترخيصاً رسمياً، قبل أن يُلغى لاحقاً بقرار أعاد طرح الأسئلة ذاتها حول آليات اتخاذ القرار واستقراره. وبين ترخيص يُلغى وقرار يُنفى، يتكرر المشهد نفسه: ارتباك في المسار الإجرائي، وتداخل في مراكز التأثير، ورسائل متباينة تسبق استقرار القرار النهائي.
إذن، لا تكمن المشكلة في الأشخاص أو الكيانات، وإنما في الكيفية التي تُصنع بها القرارات. فالسؤال الذي تطرحه واقعتا الخارجية وبنك السودان ليس من ربح ومن خسر، وإنما: هل ما تزال الكفاءة والمؤسسية هما المعيار الحاكم في اتخاذ القرار، أم أن هناك اعتبارات أخرى تتقدم في اللحظات الأخيرة؟ ومن هنا تتجاوز القضية شخص السفير إدريس محمد علي، كما تتجاوز شركة «عسجد»، لتصبح قضية تتعلق بمنهج إدارة الدولة نفسه.ومن حق الرأي العام أن يتلقى تفسيراً مقنعاً يبدد الالتباس.
خلاصة القول ومنتهاه :
وفي كل الأحوال، فإن الخاسر لن يكون السفير إدريس محمد علي، فهو سيظل دبلوماسياً محترفاً يخدم وطنه من أي موقع، ولن ينتقص من رصيده المهني منصب ناله أو آخر لم ينله.
أما الخاسر الحقيقي، إذا استمرت مثل هذه المشاهد، فهو هيبة الدولة، ومشروع الإصلاح الإداري، والثقة في أن مؤسساتها تُدار وفق معايير الكفاءة والخبرة، لا وفق اعتبارات تتبدل في اللحظات الأخيرة. فالدول لا تُبنى بانتصار الأشخاص، وإنما بانتصار المؤسسات،




