السفير رشاد فراج الطيب: شكراً قطر.. شكرا د. حمد الكواري.. حين يكون الوفاء موقفاً لا مناسبة!
متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز
لا تُعرف الدول والرجال في مواسم الرخاء ، وإنما تُعرف حين تضيق السبل وتشتد المحن .
ولا تُقاس صداقات الشعوب بكثرة البيانات ، وإنما بما تتركه المواقف من أثر في ذاكرة الناس .
من هنا قرأت مقال الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري ، وزير الثقافة القطري الأسبق ، «السودان.. متى يستعيد عافيته؟» .
لم أقرأه مقالاً سياسياً عابراً ، بل شهادة رجل عرف السودان عن قرب ، وخبر رجاله وثقافته وتحولاته ، وعاش معه عقوداً من العلاقات الإنسانية والدبلوماسية والثقافية ؛ فكتب عنه بعين الخبير ، وعقل الدبلوماسي ، وقلب المحب .
ولذلك فإن أول ما يستحقه المقال وصاحبه هو أن نقول : شكراً قطر .. وشكراً د. حمد عبد العزيز الكواري .
شكراً لقطر ، قيادةً وشعباً ، لأنها لم تجعل علاقتها بالسودان رهناً بحكومة أو ظرف سياسي أو مصلحة عابرة ، وإنما بنت عبر عقود رصيداً من المودة والمواقف والمبادرات .
كانت قطر حاضرة في السودان بأياديها البيضاء في الغوث والعمل الإنساني والتنمية ، وحاضرة في صناعة السلام ، وفي مقدمة ذلك دورها المشهود في سلام دارفور ، حين احتضنت الدوحة سنوات من التفاوض والحوار ، وسعت إلى تقريب المواقف ووقف نزيف الحرب .
وكانت حاضرة كذلك في الثقافة وحماية التراث ، ومن أبرز الشواهد المشروع القطري-السوداني للآثار ، الذي أسهم في حماية جانب مهم من ذاكرة السودان الحضارية ، مؤكداً أن علاقات الشعوب لا تبنى بالسياسة وحدها ، وإنما بالثقافة والمعرفة والإنسان .
وقفت مع السودان وفاء لوقوف رجال السودان معها في التأسيس الأول وكانو حضورا مخلصا في ميلاد مؤسسات الجيش والشرطة والقضاء والخارجية وغيرها وتركوا بصماتهم الواضحة بكل الحب وما اكتسبوه من كل معرفة وخبرة .
واليوم ، تقف قطر مع السودان وهو يواجه حرباً قاسية وعدواناً غاشماً ، في امتداد لمواقفها السابقة .
وفي مقام الوفاء ، لا بد من وقفة خاصة عند الأمير الوالد الراحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني طيب الله ثراه ، الذي ارتبط اسمه في وجدان السودانيين بمواقف ومبادرات مشهودة تجاه السودان وأهله .
والتحية والتقدير لصاحب السمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ، ولأسرة آل ثاني الماجدة ، ولأم النشامي الشيخة موزا وللشعب القطري الكريم ، الذي حفظ للسودان وأبنائه مكانتهم ، كما حفظ للسودانيين الذين أسهموا في نهضة قطر عطاءهم وفضلهم ، فقابل الوفاء بالوفاء ، ولم يكن الجزاء عنده نكراناً ولا جحوداً !
وصدق شاعر العروبة والإسلام فيهم :
يا أحسنَ الناسِ آداباً وأسمحَهمُ
والمرءُ ما عاشَ نزّاعٌ إلى الحسنِ
فيكم صحابي وأحبابي وشاكلتي
وعُدّتي ساعةَ الجلّى ومُرتكني .
أما مقال الدكتور الكواري ، فتتجاوز قيمته حدود المقال الصحفي ؛ فهو في تقديرنا ، إسهام فكري وسياسي جدير بأن يكون حاضراً في أي حوار جاد حول مستقبل السودان .
فقد وضع يده على جوهر المأساة حين أكد أن الدولة لا تحتمل جيشين ، وأن استعادة عافية السودان لا تكون إلا بقيام دولة واحدة ، ومؤسسات وطنية واحدة ، وقرار وطني لا يرتهن للخارج .
وتبلغ الحكمة ذروتها في استعارة بليغة حين تحدث عن استدعاء الذئب إلى العرين ظناً أن ذلك يؤمّن شره ، في إشارة إلى خطورة وخطأ مغازلة إسرائيل والاستعانة بالقوى الخارجية على حساب الدولة ومؤسساتها .
وهي حكمة ينبغي ألا تبقى درساً للماضي ، بل قاعدة للمستقبل : من يستدعِ الذئب إلى عرينه لا يستطيع أن يضمن مكره ، ولا أن يحدد فريسته !
لقد أصاب الدكتور الكواري حين رفض اختزال الأزمة في صراع داخلي ، ونبه إلى تداخل المصالح الإقليمية والدولية ، وإلى أن ضعف الدولة يفتح أبواب الوطن أمام التدخلات والأطماع ، فيتحول السودان من وطن لأبنائه إلى ساحة لمشروعات الآخرين .
لكن الأهم أنه لم يكتب مرثية للسودان ، بل كتب له شهادة حياة وأمل .
فالسودان أكبر من محنته ، وأغنى من أن تختصره حرب أو عدوان غادر ، وأبقى من أن تختطفه مليشيا أو مشروع عابر
ولهذا فإن الحوار السوداني-السوداني المرتقب لا ينبغي أن يكون حواراً لإدارة الأزمة إلى ما لا نهاية ، وإنما حواراً لإعادة بناء الدولة وتأسيس المشروع الوطني الجامع ؛ دولة فوق الأشخاص ، والوطن فوق القبيلة والحزب ، والمؤسسات فوق الأفراد ، والمصلحة الوطنية فوق مصالح الخارج .
وكما قال د. الكواري فإن السودان يحتاج إلى أشقائه العرب ، لا إلى مزيد من التدخلات التي تزيد انقسامه ، وإنما إلى سند صادق يساعده على استعادة وحدته وسيادته واستقراره ودوره الرائد في محيطه الاقليمي والدولي .
وفي هذا السياق تأتي أهمية أدوار الأشقاء في مصر والسعودية وقطر ، لكل منها موقعها ورصيدها وعلاقتها التاريخية بالسودان .
أما قطر الخير ، فلا نشكرها على موقف حتى ينتهي الشكر بانتهاء المناسبة ؛ وإنما نشكرها على مسيرة طويلة من المواقف و الإسناد ، وعلى وفاء ظل حاضراً في مختلف المنعطفات .
شكراً قطر .. شكراً لأهل قطر .. وشكراً للدكتور حمد الكواري .
شكراً لمن حفظ للسودان وده في الرخاء ، وكان سنده في الشدة .
وحقا :
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا .. من كان يألفهم في المنزل الخشن
فالمعروف لا يضيع ، ومواقف الرجال والدول تبقى في ذاكرة الشعوب والأجيال .
وللسودان مع قطر قصة محبة ووفاء ، عنوانها المروءة ، وجوهرها الأخوة والاعتماد المتبادل ، وأجمل ما فيها أنها لم تكن يوماً مشروطة بزمان أو ظرف أو مصلحة او حكومة .
ولعل أجمل ما في مقال الدكتور الكواري أنه لم يسأل فقط : متى يستعيد السودان عافيته ؟ بل حمل ، بين سطوره ، إيماناً بأن السودان قادر على أن يستعيدها .
فالسودان لم يفقد أسباب النهوض ؛ وإنما فقد ، لبعض الوقت ، القدرة على جمعها في دولة أريد لها أن تغيب وتنصرف عن دورها الرائد في دعم واسناد قضايا الأمة العربية والاسلامية ومقدساتها وفي مقدمتها فلسطين والقدس الشريف .
وحين يستعيد السودانيون دولتهم ، ويوحدون مؤسساتهم ، ويجمعون كلمتهم ، ويضعون وطنهم فوق كل اعتبار ، سيكتشف العالم أن السودان لم يكن فقيراً في أسباب النهوض ، وإنما كان غنياً بها إلى الحد الذي يجعل عودته ممكنة … بإذن الله
بل واجبة ..
وإن غدا لناظره قريب والله غالب علي أمره .





