
متابعات | تسامح نيوز
كان الصحفيون يتهافتون على الأب فيليب عباس غبوش في ردهات الجمعية التأسيسية. لم يكن الرجل يحتاج إلى أن يستدعي الصحافة، فالصحافة كانت تبحث عنه. وكان إذا تحدث، أنصت الجميع، لا لأن صوته كان أعلى من الآخرين، وإنما لأن وراء كلماته تجربة سياسية طويلة، وموقفاً وطنياً جاداً، ورؤية تجعل حديثه قابلاً لأن يتحول إلى سؤال في البرلمان، أو عنوان في صحيفة، أو موقف في دفتر السياسة السودانية.
كان غبوش صانعاً للمواقف الوطنية الجادة، ورمزاً لا يمكن تجاوزه في السياسة السودانية وقتها. ورغم صلابته واختلافاته الحادة مع خصومه، لم يكن محتاجاً إلى أن يحول السياسة إلى سيرك، ولا أن يخلط بين الموقف السياسي والاستعراض.
ومن هنا تبدو المقارنة مؤلمة ونحن نقرأ بعض ما يصدر هذه الأيام عن مني أركو مناوي.
مناوي يقول إن الحوار هو الطريق الأمثل للخروج من الحرب، وإنه يجب أن يكون سودانياً شاملاً، وألا يستثني أصحاب المصلحة، وألا يختزل في طرفين، وألا يفرض من الخارج. وهذه، في حد ذاتها، كلمات لا يختلف عليها عاقلان.
لكن الرجل نفسه يقول إن الحوار السياسي ليس من اختصاص الشخصيات المستقلة، وإن التنظيمات السياسية وحدها صاحبة الاختصاص في طرحه وإدارته، بل ويستهزئ بفكرة الاستقلالية قائلاً: «مافي مستقل حكم بلد».
هنا تبدأ الخزعبلات.
يا مناوي، اللجنة ليست حكومة ظل، ولم تدّع أنها حزب سياسي، ولم تقل إنها ستجلس مكان القوى السياسية إلى طاولة التفاوض. مهمتها، كما أوضحت، هي تهيئة المناخ، وفتح قنوات التشاور، وبناء الثقة، وهي أمور يقول مناوي نفسه إن أي حوار جاد يحتاج إليها.
ثم إن التاريخ السياسي لا يعرف هذه القاعدة العجيبة التي اكتشفها مناوي فجأة: «لا حوار إلا بأصحاب الأحزاب والتنظيمات».
الحوارات الكبرى كثيراً ما بدأت من خارج المؤسسات الرسمية، على أيدي شخصيات مستقلة وأكاديميين ومثقفين ووسطاء مدنيين. وفي أزمات الحرب والسلام، قد تكون الشخصية التي لا تحمل بطاقة حزب أكثر قدرة على فتح الباب الذي يعجز عن فتحه السياسي المحكوم بحسابات حزبه أو بندقيته أو موقعه في السلطة.
بل إن مناوي نفسه وقع في مفارقة مضحكة. فهو يقول إن الأزمة أكبر من «حرب بين جنرالين»، ثم يتعامل مع الحوار وكأنه شأن لا يحق الحديث فيه إلا للجنرالات السياسية والتنظيمات التي تمثلهم.
هذه ليست سياسة غبوش.
كان غبوش يعرف أن السياسي الكبير لا يقيس أهمية الفكرة باسم صاحبها، وإنما بما يمكن أن تفتح من أبواب للبلد. كان يختلف، ويجادل، ويصادم، لكنه كان يعرف الفرق بين الخصومة وبين إغلاق الطريق.
أما مناوي، فيبدو أحياناً كأنه يريد أن يقنعنا بأن الحوار لا يصح إلا إذا كان هو وأمثاله على خشبته، فإذا جلس المستقلون في المقاعد الأولى، صاح من وراء الستار: «هذه ليست مسرحية شرعية».
والحقيقة أن السودان لا يحتاج إلى المزيد من البلياتشو السياسي.
السودان ينزف، والبلاد تتشظى، والناس لا تبحث عن أفضل أداء مسرحي، وإنما عن طريق للخروج من الحرب.
هنا فقط نفتقد غبوش.
نفتقد الرجل الذي كان الصحفيون يلاحقونه في ردهات الجمعية التأسيسية، لأن وراء كل كلمة يقولها موقفاً، ووراء كل موقف رؤية، ووراء الرؤية إحساساً ثقيلاً بمسؤولية السياسة.
كان فيليب غبوش، يعرف أن السياسة فن الممكن. أما بعض سياسيي اليوم، فيبدو أنهم لم يتعلموا بعد أن السياسة أيضاً فن ألا تجعل من نفسك نكتة، وألا تحول مأساة وطن كامل إلى فقرة من فقرات البلياتشو.





