
آمين سنادة يكتب: العمل شرف… مش ما عيب
نشر الفنان الدرامى عبد السلام جلود على صفحته صورة له وهو يمارس مهنة بيع المياه والعصائر في مدينة بورتسودان، وألحقها بعبارة: “الشغل ما عيب”. وقد حظيت الصورة بتفاعل واسع، ربما لأنها لامست قضية ترتبط بالعمل والكرامة الإنسانية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها كثير من الناس خاصة مابعد الحرب والنزوح
ومع اتفاقي الكامل مع المعنى المقصود من العبارة، إلا أنني شعرت بأنها لا تعبر تماماً عن المكانة التي يستحقها العمل. فعبارة “الشغل ما عيب” تبدو وكأنها رد على اتهام أو دفاع مسبق أمام نظرة اجتماعية تعتبر بعض المهن أقل قيمة من غيرها. إنها تنفي العيب، لكنها لا تصل إلى درجة الاحتفاء الحقيقي بالعمل.

في تقديري، العبارة الأقرب إلى روح العمل وقيمته هي: “العمل شرف”. فالعمل المنتج والنافع لا يحتاج إلى اعتذار، ولا ينبغي تقديمه بوصفه خياراً اضطرارياً فرضته الظروف، بل باعتباره قيمة إنسانية واجتماعية واقتصادية تستحق الاحترام والتقدير.
هناك جانب آخر لفت انتباهي في تجربة عبد السلام جلود. فالرجل ليس مجرد بائع مياه وعصائر، بل هو شخص يمتلك رصيداً من التعليم والخبرة والقدرات الإعلامية والفنية. وهذه الخبرات يمكن أن تنعكس إيجاباً على أي عمل يمارسه، مهما بدا بسيطاً في نظر البعض.
فالمهنة لا تتطور فقط برأس المال، وإنما تتطور أيضاً بالأفكار والمعرفة والإبداع. ويمكن لأي شخص أن يحول مساحة صغيرة للعمل إلى نموذج مختلف عبر حسن التنظيم، وأساليب العرض، والرسائل التوعوية، والتواصل الإيجابي مع الناس. بل يمكن أن تصبح طاولة بيع المياه والعصائر منصة اجتماعية وإعلامية صغيرة تقدم خدمة ومعرفة إلى جانب المنتج الذي تبيعه.
قيمة الإنسان ليست في المهنة التي يعمل بها، وإنما في القيمة التي يضيفها إليها. فالمتعلم لا ترفع مكانته لأنه ابتعد عن المهن البسيطة، بل لأنه يستطيع أن يطورها ويضيف إليها ويجعلها أكثر فائدة للمجتمع وأكثر ربحاً لصاحبها.
لذلك أتمنى أن ننتقل في خطابنا العام من عبارة “الشغل ما عيب” إلى عبارة “العمل شرف”. فالأولى تدافع عن العمل، أما الثانية فتحتفي به. الأولى تنفي صفة سلبية، أما الثانية فتثبت قيمة إيجابية.
وعندما يوظف الإنسان علمه وخبرته وإبداعه في أي عمل نافع، فإن الأمر لا يعود مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل يصبح واجباً اجتماعياً وإنتاجياً يحقق الفائدة لصاحبه ولمجتمعه في الوقت نفسه.
فالعمل ليس ما نعتذر عنه، وإنما ما نفتخر به





