اقتصاد

السفير رشاد فراج الطيب : الاقتصاد السوداني .. من إدارة الندرة الي أفق الإقلاع والنهضة

متابعات | تسامح نيوز

متابعات  | تسامح نيوز

 

 

 

 

 

هل يمكن للسودان أن يحوِّل موارده إلى نهضة سريعة ؟

ففي سياق ضغوطٍ متفاقمة على النقد الأجنبي وتدهور قيمة العملة ، تبدو قرارات حظر استيراد بعض السلع “الهامشية” محاولةً مفهومة لتخفيف الطلب على العملات الصعبة .

 

غير أن التجربة المقارنة تُظهر أن مثل هذه الإجراءات وإن منحت متنفسًا مؤقتًا فنادراً ما تُعالج جوهر الأزمة.

 

فهي لا تزيد الصادرات ، ولا ترفع الإنتاجية ، ولاتوفر العملة الأجنبية لأن مصدري السلع الممنوعة سيتوجهون الي انشطة أخري قد تكون هامشية و سريعة العوائد وقد يتوجهون الي مضاربة في العملة او الذهب أو العقار أو السيارات .

 

وقد تُفضي إلى تشوهات سعرية ، وتوسّع السوق الموازي ، وتفتح منافذ للتهريب والاحتكار .

 

التحدي الحقيقي في السودان اليوم ليس إدارة الندرة فحسب ، بل تحويل وفرة الموارد إلى تدفقات نقد أجنبي مستدامة عبر حزمة سياسات متكاملة تتعامل مع الاختلالات النقدية والهيكلية في آنٍ واحد كما تتعامل مع الفرص الحقيقية عبر التفكير الابداعي ومعطيات اقتصاد المعرفة .

 

عدد من التدابير مطلوبة لتحريك جمود الموارد الاقتصادية الوفيرة منها وليس حصرا :

 

أولاً : تثبيت الإطار الكلي للسياسات وبناء الثقة ،

فلا يمكن لأي برنامج نهضة أن ينجح في بيئة سعر صرف مزدوج أو متعدد .

 

المطلوب الانتقال إلى سعر صرف مرن مُدار يقترب من التوازن ، مع تقليص الفجوة بين الرسمي والموازي عبر أدوات شفافة (مزادات/منصات) ، وربطها بتدفقات حقيقية من الصادرات والتحويلات .

 

بالتوازي ، ينبغي كبح التمويل بالعجز وتعزيز استقلالية البنك المركزي ، لأن استقرار التوقعات هو الشرط الأول لتدفق رأس المال محليًا وخارجيًا .

 

ثانيًا : “صدمة صادرات” سريعة ،

إذ إن السودان يمتلك ميزة نسبية فورية في الذهب والزراعة .

فتحقيق طفرة سريعة يتطلب :

 

تحرير وتبسيط إجراءات صادرات الذهب بقنوات رسمية جاذبة (تسعير قريب من العالمي ، سرعة السداد) ، لقطع الطريق على التهريب وتحويله إلى مورد رسمي .

 

تعظيم القيمة في السلع الزراعية عبر خدمات ما بعد الحصاد (تنظيف ، تعبئة ، تبريد ، لوجستيات) ، بما يرفع السعر التصديري لا الكميات فقط .

 

ممرات تصدير آمنة وسريعة Fast Track في ظل الحرب ، مع إعفاءات وإجراءات مبسطة مؤقتة لخفض زمن وتكلفة الشحن .

 

ثالثًا : تعبئة تحويلات المغتربين كرأس مال وطني لأن التحويلات

يمكن أن تصبح رافعة تمويلية مستقرة إذا قُدمت لها حوافز سعرية وقنوات تحويل رقمية سهلة ، مع أدوات ادخارية وودائع بالدولار (شهادات/سندات للمغتربين) بعوائد تنافسية وضمانات شفافة .

 

الهدف هو تحويل التدفقات من الاستهلاك قصير الأجل إلى استثمار إنتاجي .

 

رابعًا : إصلاح المالية العامة دون خنق النشاط

بالتوسّع في الجباية في اقتصادٍ منهك يضر أكثر مما ينفع .

 

البديل هو توسيع القاعدة الضريبية برقمنة التحصيل وإدماج الاقتصاد غير الرسمي تدريجيًا ، مع إعادة ترتيب الإنفاق نحو أولويات عالية الأثر (الأمن الغذائي ، الصحة ، البنية التحتية الحرجة) .

 

الشفافية في الموازنة ليست رفاهًا ؛ إنها أسلوب ومنهج لاستعادة الثقة وخفض تكلفة التمويل .

 

خامسًا : نحو اقتصاد منفتح مولِّد للعملات الصعبة

 

فالمطلوب هو ابتداع موارد لجذب العملات الصعبة عبر تشجيع وتوسيع الصادرات وجذب الاستثمارات ، بدلاً من زيادة الجبايات وتمويل الميزانية من جيب المواطن فقط .

 

ويتحقق ذلك من خلال تحرير التجارة في شقيها الصادر والوارد بمنح التسهيلات والحوافز وفتح المجال للتنافس ، بما يخفض التكاليف ويرفع الكفاءة .

 

سادسا : كما ينبغي التحرك الدبلوماسي النشط لجلب دعم خارجي استثمارات مباشرة ، تمويلات تنموية ، وقروض ميسرة وتفعيل الاستفادة من الشراكات والاتفاقيات الإقليمية والدولية لفتح أسواق جديدة وتأمين تمويل أقل كلفة.

 

وحتي تنجح الشراكات لابد من إزاحة العوائق وتهيئة كل البنية التحتية الاقتصادية التمويلية والتخزينية واللوجستية لضمان عمليات التحالف والاستجابة وتلبية حاجات الشركاء في الوقت المحدد وبالكميات والمواصفات المحددة.

 

سابعا : سياسة صناعية انتقائية ذكية

بدلاً من الحظر الواسع ، ينبغي تبنّي إحلال واردات انتقائي في قطاعات قابلة للنجاح السريع (غذاء ، أدوية أساسية ، مدخلات زراعية) ، مع حماية زمنية مشروطة بالأداء والتصدير .

 

إنشاء مناطق صناعية خفيفة قريبة من مصادر الإنتاج والموانئ ، بشراكات مع القطاع الخاص ، يسرّع التعلم ونقل التقنية.

 

ثامنًا : بيئة أعمال وحوكمة تُطلق الطاقة الكامنة

تبسيط التراخيص عبر نافذة واحدة ، تقليص الرسوم المتعددة ، رقمنة المشتريات الحكومية ، وتسريع تسوية النزاعات كلها خطوات منخفضة التكلفة عالية الأثر .

 

مكافحة الفساد هنا ليست شعارًا أخلاقيًا فقط ، بل سياسة اقتصادية ترفع الإنتاجية وتخفض تكلفة المعاملات .

 

تاسعًا : إدارة اقتصاد الحرب ببراغماتية

تأمين سلاسل الإمداد ، حماية الأصول الإنتاجية ، وبرامج دعم وشبكات أمان اجتماعي مستهدفة للفئات الأكثر هشاشة ، كلها ضرورية لمنع تآكل الطلب الداخلي وانهيار رأس المال البشري .

 

في الوقت ذاته ، يمكن توجيه الإنفاق العام نحو مشروعات كثيفة التشغيل وسريعة العائد في الزراعة والخدمات اللوجستية.

 

عاشرا : الاستفادة من التجارب الناجحة دون استنساخ أعمى

تُظهر تجارب مثل ماليزيا فيتنام ورواندا وبنغلاديش وسنغافورة أن القاسم المشترك ليس وفرة الموارد ، بل اتساق السياسات وسرعة التنفيذ : تركيز على التصدير ، حوكمة منضبطة ، وبيئة أعمال جاذبة .

 

السودان يملك ما هو أكثر أراضٍ خصبة ، مياه ، معادن ، ورأس مال بشري لكن تحويل هذه الأصول إلى دخل يتطلب إدارة حديثة ومبدعة وإرادة تنفيذ عبر خبراء لا موظفين.

 

ختاما

النهضة السريعة ليست حلمًا رومانسيًا ، بل نتيجة تصميم مؤسسي يجمع بين استقرار كلي ، وصدمة صادرات ، وتحرير طاقات القطاع الخاص .

 

الحظر قد يهدئ الأعراض ، لكنه لا يعالج المرض .

 

أما العلاج فهو في بناء منظومة تُحوّل موارد السودان الهائلة إلى إنتاج وتصدير ونقد أجنبي بثقةٍ في الإمكان ، ودقةٍ في التخطيط ، وصرامةٍ في التنفيذ .

مع اجتهاد شديد في إزالة العوائق وزيادة المحفزات والتسهيلات .

 

وأخيرا فإن أمر التخطيط الاقتصادي لايجب أن يوكل و ينحصر في وزارة المالية وموظفيها بفهم أن لوزارة المالية الولاية علي المال العام ، إذ إن مهمة التخطيط تحتاج الي اسكوب وأفق أوسع تجمع له تخصصات شتي في مجلس أعلي للتخطيط الاقتصادي يضم خبراء في فروع الاقتصاد والمالية والنقد والمصارف ورجال الأعمال .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى