أخبار

د. عثمان جلال : صديق سنادة جلدنا وما بنجر فيه الشوك   

متابعات | تسامح نيوز

 

 

 

 

متابعات | تسامح نيوز

(1)

أصدرت المحكمة الإبتدائية في مدينة كوستي في 30 يونيو 2026م حكما تعسفيا قضى بالإعدام في حق اللواء شرطة معاش صديق سنادة وذلك بتهمة التعاون مع مليشيا آل دقلو ، وقد ذكرت في مقال سابق أن اللواء صديق سنادة والمرحوم العمدة سعد مضوي كانا في يوم انسحاب قوات الجيش واجتياح المليشيا المجرمة لمدينة القطينة بين خيارين إما المغادرة أو البقاء وتمترسا بالبقاء . وبما أنهما من قامات المدينة فقد تداعى حولهما الأهالي والنازحين بغرض الحماية من بطش المليشيا بالتالي فإن مجتمع القطينة بكل تنوعه وتباينه فوضهما لمواجهة محنة تداعيات سقوط المدينة في يدي المليشيا لذلك يجب التعاطي مع هذا التفويض المجتمعي بعيدا عن التحيزات الفكرية والسياسية وهذه نقطة جوهرية في مسار هذه القضية .

(2)

معلوم إن التصدي للمليشيا الإرهابية إما أن يكون بالمنازلة في الميدان، أو المظاهرات وهذه مواجهة انتحارية كانت ستؤدي إلى مذبحة واستباحة شاملة في المدينة الجريحة لذلك اختارا خيار المصانعة وقديما قال الشاعر الجاهلي الحكيم طرفة بن العبد

حنانيك بعض الشر أهون من بعض. وإن كان ذلك كذلك فما هو سقف المصانعة الذي تم بين اللواء صديق والعمدة سعد ومليشيا آل دقلو ؟ لم يتلفح اللواء صديق زي المليشيا باذلا الاستشارات العسكرية،ولم يحرض الشباب على الانتساب للمليشيا.

ولم يفتح معسكر للتدريب العسكري بالمدينة. وكذلك لم يرتدي العمدة سعد الكدمول ويعلن التعبئة العامة وسط أهله الحسنات رافعا شعارات العصبية الجاهلية

قوم إذا الشر أبدى ناجزيه

أغاروا عليه زرافاتنا ووحدانا

ولا يسألون أخاهم حين يندبهم

وفي النائبات على قال برهانا

وكذلك لم يسلما المليشيا قوائم انتقائية تشمل أسر الضباط والجنود بالقوات النظامية ولا المعاشيين، ولم يجهزا قوائم التشفي والخصومة السياسية وهذا ينم أن دوافع المصانعة والتعاون مع المليشيا كانت في منتهى النبالة والوعورة الأخلاقية .

(3)

لم يتعدى مستوى التعاون بين اللواء صديق والمرحوم سعد والمليشيا حدود حماية الأعراض والممتلكات العامة والخاصة، وفتح وتأمين سوق المدينة، وتوفير السلع الإستهلاكية للأهالي في المدينة وريفها. وكذلك تأهيل المستشفى وتوفير الأدوية خاصة المنقذة للحياة. وتشغيل التيار الكهربائي وإنارة شوارع المدينة الرئيسية وتشغيل مركز غسيل الكلى وتقديم العون والمواد الغذائية للأسرة المتعففة. والسعي بقدر المستطاع لمنع تعديات وتفلتات أفراد المليشيا المجرمة على أحياء المدينة والأفراد وتذليل خروج الكثير من الأفراد والأسر إلى الولايات الأخرى. وتجسير خروج معظم الطلاب والطالبات لأداء امتحانات الشهادة السودانية

(4)

لقد أثمر تعاون اللواء صديق والعمدة سعد مع المليشيا قدرا من الأمان والاستقرار للأسر خاصة الفقيرة التي لا تملك تكاليف النزوح واللجوء. وما يؤكد أن حدود تعاونهما كان في صالح مجتمع المدينة ثباتهما وصمودهما في القطينة بعد تحريرها من دنس المليشيا وذهابهما طواعية لجهات الإختصاص. ولن نغالي وندعي بلوغهما الكمال في صيانة مجتمع مدينة القطينة فقد وقعت انتهاكات وتفلتات وهذه ثقافة مشاعة في بنية المليشيا المجرمة من القمة إلى القاعدة وتأبى الطباع على الناقل. ولكن هفوات صديق وسعد مع أهلهم بالقطينة يجب ألا تخرج من دائرة عتاب المحبين مثل عتاب المتنبيء لصديقه أبوالعشائر بن عم سيف الدولة الذي أراد الانتقام منه فنظم المتنبيء هذه الأبيات العرفانية

ومنتسب عندي إلى من أحبه

وللنبل حولي من يديه حفيف

فهيج من شوقي وما من مذلة

حننت ولكن الكريم ألوف

وكل وداد لا يدوم على الأذى

دوام ودادي للحسين ضعيف

وإن كان الفعل الذي ساء واحدا

فأفعاله اللائي سررن ألوف.

(5)

لقد مضى العمدة سعد إلى ربه فله الرحمة والمغفرة والقبول وعند الله تجتمع الخصوم ويواجه اللواء صديق عقوبة الإعدام الظالمة وصديق جلدنا وما بنجر فيه الشوك وسنقف معه كما وقف النبي صلى الله عليه وسلم مع حاطب بن أبي بلتعة الذي كاد أن يفشي سر فتح مكة لقادة قريش وعندما طلب عمر بن الخطاب من النبي أن يأذن له بضرب عنقه قال النبي الكريم: أتريدني أن أقتل رجلا من أهل بدر!! وسنقف مع صديق سنادة كما وقف النبي الكريم مع عبد الله بن سلول عند إثارته للنعرة العصبية بين المهاجرين والأنصار أثناء عودة الجيش الإسلامي من غزوة بني المصطلق أو المريسيع ورأى كبار الصحابة ضرورة قتله فقال لهم النبي: أتريدون أن تقول العرب أن محمدا يقتل أصحابه .وسنقف مع صديق سنادة كما وقف عثمان بن عفان مع أخيه من الرضاعة عبد الله بن أبي السرح الذي ارتد عن الإسلام وأهدر النبي دمه يوم فتح مكة ثم عفا عنه وقبل شفاعة عثمان فيه

(6)

لقد كان شعار النبي صلى الله عليه وسلم في العلاقات الإنسانية (من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) لذلك مال إلى رأي أبي بكر الصديق في إطلاق سراح أسرى غزوة بدر مقابل الفدية . وعندما بعثت إليه قتيلة بنت الحارث أبيات شعرها التي تناشده فيها الرحم والدم للعفو عن شقيقها النضر فقالت :

أمحمد ياخير ضنء كريمة

من قومها والفحل فحل معرق

ما كان ضرك لو مننت

وربما من الفتى وهو المغيظ المحنق

والنضر أقرب من أسرت قرابة

وأحقهم إن كان عتق يعتق

ولما سمع النبي الكريم هذه الأبيات قال: لو بلغني هذا قبل مقتله لمننت عليه.ولقد عفا النبي الكريم عن معظم الذين أهدر دمهم يوم فتح مكة وبعضهم أصبح له في خدمة الإسلام سيف وقلم وعرق ودم وشهادة

وأخيرا وليس آخرا فإن اللواء صديق سنادة حفيد ملوك الشمس والظل لم يصانع المليشيا للتكسب والمغنم الشخصي فهو حاليا يتبارى في علاجه من مرض الكلى المزمن أبنائه وأسرته الكبيرة فهو من بيت شادخ غرته ورواقه ممتدة وظله دائم وسنقف معه حتى يخرج من هذه المحنة براءة ومرفوعة الهامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى