المقالات

ضياء الدين بلال يكتب: (الحائط اللعين).. !

متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز

-1-

لولا أنني سمعتُ القصة من شاهدين عدلين، لما صدّقتُ ما جرى وما قيل في تلك الجلسة..!

في سجن كوبر ما بعد 2019، أطلق السيد يوسف عبد الفتاح ضحكةً فاجأت جُلّاسه، ثم روى هذه القصة المثيرة للدهشة والتأمل والعِبرة.

يحكي يوسف:

في 30 يونيو 1989، كنتُ مكلّفاً بالقبض على الأستاذ محمد إبراهيم نقد، سكرتير الحزب الشيوعي.

أتيتُ به إلى «الشرقيات» بسجن كوبر، إلى زنزانة عتيقة كُتبت على أحد جدرانها أسماءُ من مرّوا بها في حقب مختلفة، منذ الزعيم إسماعيل الأزهري وحتى آخر معارض سياسي..!

وقبل مغادرتي الزنزانة، طلبتُ من نقد أن يكتب اسمه على الحائط.

ضحك الرجل، ثم قال لي:

(ما حا أكتب اسمي.. لكن حيجي يوم تكتب إنت اسمك هنا)!

وبالفعل، كتب يوسف عبد الفتاح اسمه في ذات الزنزانة التي اعتُقل فيها نقد قبل ثلاثين عاماً..!

الأسماء المنقوشة على ذلك الحائط العتيق، في الزنزانة الشرقاوية المجاورة لمنتظري تنفيذ أحكام الإعدام، تختصر تاريخ التقلبات السياسية في السودان منذ خروج المستعمر وحتى اليوم.

ذلك ما وصفه الدكتور التجاني عبد القادر بـ«مكر التاريخ»:

حكام اليوم هم سجناء الغد.. والعكس صحيح.

-2-

أزور دار الوثائق بين حين وآخر، وأقضي هناك ساعاتٍ طويلة في ضيافة التاريخ.

أقلّب الصحف القديمة، أو بمعنى أدق: أتأمل الأحداث والتصريحات ومواقف الرجال، وهم — على حد تعبير الشاعر عبد القادر الكتيابي — «يمارسون لعبة التفكير بالألوان في كل المحافل»..!

السياسة، في قاموس كثير من ساساتنا، هي قدرتك على فرض إرادتك على الآخرين، لا يهم إن تم ذلك عبر صناديق الاقتراع أو صناديق الذخيرة.. لا فرق..!

السياسي ينتقل من موقف إلى آخر دون أن يدفع رسوم انتقال، فلا يعتذر عن خطئه في تقدير موقفه الأول، ولا يبرّر موقفه الجديد.

ينتقلون — مع أشعب وبنانه — من مائدة إلى أخرى، دون أن يغسلوا أيديهم..!

فالمواطن السوداني، في نظرهم، بسيط وساذج وانفعالي، تأسره اللحظة وتغيب عنه العبرة، وذاكرته — بزعمهم — أقصر من ذاكرة النمل..!

المفارقات السياسية تملأ الكتب والمجلدات وتفيض.

المواقف تتبدل بتبدّل المواقع، والتجارب تتكرر ويختلف المجرّبون، وكأننا ندور في حلقة دائرية لا تنتهي، مثل إعلانات الشاشات المضيئة..!

عزيزي القارئ، أستأذنك في عرض بعض هذه المفارقات، التي قد تُغضب البعض وتُزعج آخرين:

السيد بابكر عوض الله هو السياسي السوداني الوحيد الذي تقلّد رئاسة السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية.

استقال من رئاسة القضاء دفاعاً عن نص دستوري واحد في قضية حل الحزب الشيوعي عام 1965، لكنه مزّق لاحقاً كل نصوص الدستور حين شارك في انقلاب مايو وأصبح رئيساً للوزراء..!

أما الأستاذ عبد الخالق محجوب، سكرتير الحزب الشيوعي، فقد ظل يقاوم التيار الانقلابي داخل الحزب ويدافع عن الخيار الديمقراطي، غير أن صحف دار الوثائق تشير إلى أنه أيّد انقلاب مايو، وسعى لاستقطاب الدعم له من المعسكر الاشتراكي في مؤتمرات براغ واجتماعات موسكو، بل وخطّط لتصحيح الانقلاب بانقلاب آخر في 19 يوليو..!

-4-

السيد الصادق المهدي، صاحب مقولة:

«الديمقراطية عائدة وراجحة»،

هو ذاته الصادق الذي شارك في نظام الحزب الواحد في عهد نميري، ونظّر له، وأدان النظام التعددي في تصريحات محفوظة بدار الوثائق، وموثقة كذلك في كتاب عبد الرحمن محمد عبد الرحمن:

(من ضيّع السودان؟!)

-5

الشيخ حسن الترابي، الذي أشعل ثورة أكتوبر بندوة في جامعة الخرطوم، هو نفسه الذي خطّط لانقلاب الإنقاذ، ثم سخر من أكتوبر في ندوة شهيرة بالجامعة نفسها عام 1993

وحين خرج من السلطة عام 1999، عاد لتمجيد أكتوبر من جديد..!

لا تنتهي المفارقات إلا لتبدأ مرة أخرى، ولا يبقى في كأس العِبر ما يكفي لإيقاظ العقل أو تبليل الوجدان.

-6-

ما أكثر العِبر.. وما أقل الاعتبار..!

في أيام سطوة الشيخ الترابي عام 1993، اعتُقل الصادق المهدي، وعومل معاملة خشنة وقاسية.

أُجلس لساعات طويلة على مقعد بثلاثة أرجل.

وذهب ثلاثة من الصحفيين إلى الترابي محتجين على اعتقال المهدي وسوء معاملته، فلم يجدوا من الشيخ سوى السخرية والتبرير، ومواصلة تناول وجبة الغداء..!

-7-

وفي عام 2004، اقترب المهدي من محالفة الإنقاذ، بينما اعتُقل الترابي في زنزانة صغيرة.

وكان أبرز ما تناقلته الصحف وقتها أن فأراً شرساً عضّ الشيخ في ساقه..!

الفريق صلاح قوش، الذي أجلس المهدي على ذلك الكرسي، واعتقل الترابي في منزله بكافوري، اعتُقل لاحقاً في المنزل ذاته.. لكن لا أحد تحدّث هذه المرة عن الكرسي..!

-8-

والدكتور الحاج آدم، الذي طارده قوش يوماً باتهامات المحاولة التخريبية عبر الصحف والمنابر، عاد لاحقاً — ومن أعلى مؤسسات السلطة — ليهدد مدير المخابرات السابق نفسه بـ«سيف الحسم» في مؤتمر سياحي..!

دخلت نملة وخرجت نملة،

وتلك الأيام نداولها بين الناس.

-9-

مساعد شرطة قديم بسجن كوبر، كان يرتشف رشفةً ذات صوت ومعنى من كوب الشاي، ثم يقول:

(نحن ما بنزعّل زول.. عارفين إنو مساجين اليوم هم حكام الغد، والعكس صحيح).

وفي لقاء جمعنا — نحن مجموعة من الإعلاميين — بالفريق عبد الفتاح البرهان بعد التغيير، قلتُ له:

(عليكم تحسين أوضاع سجن كوبر.. الزمن ما مضمون)!

ضحك الرجل.. ولم يعقّب.

-10-

انقطاع التجارب وعدم تتابعها، وإهمال كل قادم النظر في دفاتر الماضي وأوراقه، جعلنا نعيد إنتاج تجاربنا الفاشلة، ونكرر أخطاءنا الفادحة، نقطة وشولة.

وكأننا في مسرحية عبثية دائرية، تتكرر فيها الفصول ذاتها، بالأحداث نفسها، مع اختلاف الممثلين وتبدّل الأسماء.

– أخيراً –

لن يستقيم عود السياسة السودانية، ولن ينصلح حالها، ما لم تتوقف كتابة أسماء المعارضين على ذلك الحائط اللعين.

 

إعادة نشر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى