المقالات

د ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٢)

متابعات | تسامح نيوز 

د ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٢)

د. ياسر محجوب الحسين

في امتداد لتلك البداية التي قلت فيها إنّ «الأمواج الناعمة ستضرب برفق صخور ساحل الصحافة»، تبدو هذه الرسائل وكأنها شظايا ضوء التقطها الموج قبل أن يعيدها إلى الشاطئ، لا لتكسر الصخر، بل لتذكّره بأن قسوة مهنة المتاعب ليست قدره الوحيد. واليوم، رسائل جديدة في بريد زملاء أكارم، تأتي لتواصل حوارا شفيفا بين الذات والمهنة، وبين الذاكرة واللحظة الراهنة. فالكتابة، في جوهرها، ليست مجرد كلمات تُرصّ على الورق، بل نداءٌ خفي في الروح، وبحثٌ صادق عن طريقٍ للتعبير. من يكتب لا يفعل ذلك لإرضاء الآخرين، بل ليكتشف ذاته، وليفصح عن سره العميق وهو يظن أنه يكتب عن غيره.

ومن هنا يمكن النظر بجدية في مقترح بعض الزملاء بجمع هذه الرسائل في كتابٍ توثيقي، لا بوصفه سيرة ذاتية خالصة، ولا كسيرٍ تقليدية عن الآخرين، بل كنصٍ وسيط يقترب من «السيرة الجماعية» للصحفيين؛ كتابة تنبع من المعايشة والزمالة والاختلاف، وتمزج التوثيق بالرؤية الذاتية، لتقدم صورًا إنسانية ومهنية لجيلٍ صنعته المهنة كما صنعها، بعيدا عن الجمود أو التسطيح.

الكتابة الصادقة، في هذا السياق، فعل وفاءٍ لما نحسّ قبل لا استعراضا لما نعرف. أن تصدق نفسك أولا، وأن تمنح اللغة من وهج روحك؛ فالكتابة ليست حلبة سباق، بل طقسا روحيا يقترب فيه القلب من ذاته.

د ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٢)

عطفا على التلغرافات السابقة اود تحية الاخ الاستاذ عثمان ميرغني فقد استوعبت “ليبراليته” سهامنا برحابة مؤكدا ان اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.. تلغرافات اليوم في بريد هذا النفر الكريم:

 

*أحمد البلال الطيب*

أستاذنا البلال صاحبُ مدرسة مهنية عريقة تخرّجت فيها أجيال متعاقبة من الصحفيين، نهلوا من خبرته وتشرّبوا قيم المهنة وأخلاقياتها. وهو مؤسسُ صرحٍ صحفيٍّ شامخ، «أخبار اليوم»، تلك المؤسسة التي سجّلت رقما قياسيا في الصمود والاستمرارية، وهي تعبر بثباتٍ عهودا سياسية متباينة، وعواصفَ متلاحقة من التحولات والاضطرابات.

تميّز ود البلال بذكاءٍ اجتماعيٍّ فريد، مكّنه من قيادة مؤسسته بحكمة واتزان وسط أنواء السياسة وتقلباتها، فحافظ على خطها المهني واستقلال قرارها. وقد نجحت «أخبار اليوم» في إدارة اقتصادها بكفاءة، واعتمدت على مواردها الذاتية، دون أن تتكئ يوما على أي دعم، فكانت نموذجا يُحتذى في حسن تدبير الموارد والاستقلالية المؤسسية.

وكان البلال من أكثر الصحفيين الذين نالهم ظلمُ حقبة ما بعد “الإنقاذ”؛ إذ صودرت مؤسساته الصحفية، وأُغلقت وجمدت حساباته البنكية، وشُرِّدت كوادره المهنية، في مشهدٍ مؤلم استهدف الكلمة الحرة قبل أن يستهدف أصحابها.

ومع ذلك، ما زلنا ننتظر، يوما بعد يوم، “.*حتى ساعات الصباح الأولى*”، عودة «أخبار اليوم» إلى الصدور، ونترقّب تلك العبارة التي ميّزت مانشيتاتها؛ عبارةٌ لم تكن رتيبة رغم تكرارها، لأنها كانت في كل مرة تحمل جديدًا، وسبقا، ونبضا حيّا بالخبر.

ندعو أستاذنا البلال التفكير جديا في التحول الرقمي، والاستثمار في رصيده الضخم من الخبرة الصحفية والسمعة الواسعة، فالصحافة الحقيقية لا تموت، بل تغيّر أدواتها وتبقى رسالتها.

 

*سمية سيد*

الصحفية سمية سيد تمثل نموذجا مهنيا مضيئًا للصحافة الاقتصادية الرصينة، ووجها نسائيا واثقا شق طريقه بثبات وسط تحديات المهنة وتعقيداتها. استندت في مسيرتها إلى خبرة صحفية طويلة، وصاغت خطا تحريريا متزنا جمع بين العمق والوضوح، ولم تحِد يوما عن الالتزام الأخلاقي والمهني. بصفتها رئيسة تحرير وصاحبة زاوية «كلام صريح»، قدّمت طرحا مسؤولا يعكس وعيا عاليا بقضايا الاقتصاد وتأثيرها على حياة الناس. ظلت قريبة من نبض الوطن، حاضرة في قضاياه المصيرية، محافظة على استقلاليتها، لتبقى قامة صحفية لها مكانتها واحترامها في المشهد الإعلامي.. وسلام تعظيم.

ظ.. مخ

مزمل أبو القاسم

عندما تطالع قلم الزميل الدكتور مزمل وهو يكتب في الشأن الرياضي بعمقٍ وشغف، يخيّل إليك أنه لا يعرف من فنون الصحافة سوى الصحافة الرياضية، وأنه قد تفرّد بها وأخلص لها. وما إن ينتقل مزمل إلى ساحة السياسة، ويغوص في دهاليزها وتعقيداتها، حتى تظنّ أنه لا يمكن أن يكون صحفيا رياضيا أصلا. هكذا اعتاد الوسط الصحفي أن يصنّف الصحفي إما رياضيا أو سياسيا أو ما بينهما من ثقافة وفنون.

د ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٢)

مزمل مؤسس صحيفة «اليوم التالي»، تلك الصحيفة التي شقّت طريقها بثبات، واحتلت مكانتها بين الصحف الرصينة ذات الهوية الوطنية الجامعة، واستحقت بجدارة أن تُعرف بصحيفة الوسط.

نرجو أن تعود «اليوم التالي» قوية ومتألقة، مع عودة الحياة إلى الخرطوم، رئة الوطن وقلبه النابض. وكنا نأمل أن تواصل صدورها رقميا، وألا تغيب عن المشهد خلال سنوات الحرب.

نأمل أن نرى «اليوم التالي».. في اليوم التالي على نحو مثالي.

 

مكي المغربي

كاتبٌ صحفيٌّ متخصص، ومحللٌ في العلاقات الدولية، يُصنَّف ضمن الصحفيين أصحاب العمق الفكري؛ ذلك العمق الذي أنضجته قراءات ومدارس فكرية متعددة تنقل بينها وقطف من زهورها، فهذه المدارس وإن اختلفت مساراتها فإنها تلتقي عند قاعدة راسخة ورؤية متماسكة.

يقدّم تحليلات سياسية نافذة، تسبر أغوار المعضلات وتفكك الإشكالات، وتذهب إلى ما وراء الظاهر دون تهويل أو تبسيط مُخل. ومع هذه الجدية المعرفية، يفاجئك أحيانًا بلغة ساخرة شعبية، ذكية ومحببة، تخاطب العامة كما تخاطب النخبة؛ من الذي ما زال يفكّ الخط، إلى من يحمل أعلى الدرجات الأكاديمية، دون أن تفقد الفكرة عمقها أو هيبتها.

يتقن اللغة الإنجليزية بطلاقة، ما منحه أفقا أوسع في الاطلاع والتحليل والمقارنة. ولعل لوالده، الخبير التربوي المعروف والوكيل الأول الأسبق لوزارة التربية، أثرًا بالغًا في تشكيل وعيه المبكر وصقل مسيرته العلمية والمهنية.

غير أن رياح التغيير السياسي حالت دون الاستفادة من خبرته في موقعه مستشارا إعلاميًا لسفارتنا في واشنطن؛ ليبقى حضوره مؤثرًا بقلمه وتحليله، حتى وإن غاب عن المنصب الذي كان جديرًا به.

 

*مصطفى ابو العزايم*

أستاذ أبو العزايم.. صاحب الثقافة الأمدرمانية الأصيلة، والصحفي من طرازٍ نادر؛ موسوعيُّ المعرفة، واسعُ الثقافة، متعدِّدُ المواهب الإعلامية.

من أشهر أقواله التي تحوّلت إلى بصمة دالّة على شخصيته ورؤيته: «قبيلتي أمدرمان»، عبارة تختصر انتماءً إنسانيا رحبًا يتجاوز الجغرافيا والاصطفاف.

رئيس تحرير صحيفة «آخر لحظة» ذات الشعبية الواسعة، ومقدّم برامج تلفزيونية ذات حضور وتأثير. حمل إرث والده الراحل محمود أبو العزايم باقتدارٍ ومسؤولية، فكان بحق «ابن الوزّ عوام»؛ لا وراثة اسم، بل امتداد قيمة، واجتهاد يضيف ولا يكتفي.

صحفيٌّ بلا أعداء، صديق الجميع؛ تهوى إليه أفئدة الصحفيين، وتميل نحوه قطاعات الشعب المختلفة محبةً وتقديرا. لا تملّ من مجالسته، بل تُدمن تلك الجلسة وتأنس للمؤانسة، لما فيها من طرف وحكاوي وصدق حديث.

ومن آرائه قوله إن صحافتنا هي صحافة الغَبَش؛ صحافة الناس ذوي الطبيعة الخشنة، تكثر فيها المخاشنات والصدامات، وتُفضي أحيانا إلى ساحات المحاكم، لكنها – في جوهرها – صحافة طيّبة، ما إن يتدخل الأجاويد حتى تُطوى الخلافات وتنتهي الأزمات.

ويحذّر باشفاق: إذا دخلت المصالح بين الصحفي والسياسي فسد الاثنان؛ فلا الصحفي ينفع، ولا السياسي يصلح.

ظل ابو العزايم يؤكد أن الزمن قد تجاوز المرحلة التي كانت فيها الصحافة تمشي مرتكزةً على ساقي الخبر والرأي فقط؛ إذ أصبح الارتكاز اليوم أكبر على الرأي والتحليل والمتابعة، وعلى قراءة ما بين سطور الأحداث، لا الاكتفاء بسطحها.

نفتقد عمودك «بعد ومسافة»، ونردد مع الراحل ودّ الأمين: «غلبني الشوق وجيت من بعدي مسافات»، شوقًا لقلم كان يكتب بعقلٍ مستنير وقلب حاضر، ويترك أثره حيثما مرّ.

 

وتتوالى الرسائل بحول الله؛؛؛

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى