المقالات

السفير رشاد فراج الطيب: الشفافية والحوكمة مدخل السودان للنهوض الاقتصادي

متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز

يمتلك السودان مقومات اقتصادية ضخمة تؤهله ليكون من الاقتصادات الصاعدة في إفريقيا والعالم العربي .

فالسودان يتمتع بموارد طبيعية هائلة تشمل الأراضي الزراعية الخصبة ، والمياه الوفيرة ، والثروات المعدنية المتنوعة ، والنفط والذهب ، إضافة إلى الثروة الحيوانية الكبيرة ، والموقع الجغرافي الاستراتيجي ، والموارد البشرية الشابة .

غير أن الأزمة الاقتصادية السودانية لا تعود في جوهرها إلى نقص الموارد ، وإنما إلى اختلالات هيكلية مزمنة في الإدارة والسياسات والمؤسسات .

فالمشكلة الأساسية تكمن في ضعف الحوكمة ، وغياب الشفافية ، واضطراب السياسات الاقتصادية ، وتراجع كفاءة مؤسسات الدولة ، واتساع دائرة الفساد والاقتصاد الموازي .

لقد ظل الاقتصاد السوداني ، لعقود طويلة ، يعمل في بيئة تعوق الإنتاج والاستثمار بدلاً من تحفيزهما ، الأمر الذي أدى إلى تعطيل الاستفادة الحقيقية من الإمكانيات الوطنية الكبيرة .

ومن أبرز الاختلالات التي قيدت الاقتصاد السوداني سيطرة الاحتكارات ومجموعات المصالح على قطاعات حيوية ، خاصة في مجالات الصادر والوارد والتجارة الاستراتيجية .

وقد أضعف ذلك المنافسة الحرة ، ورفع تكاليف الإنتاج والتجارة ، وأدى إلى تركيز الفرص الاقتصادية في أيدي فئات محدودة على حساب الاقتصاد الوطني الأوسع .

فالاقتصاد المنتج لا ينمو في بيئة الامتيازات المغلقة ، وإنما في بيئة تقوم على المنافسة العادلة ، وحرية النشاط الاقتصادي ، وتكافؤ الفرص .

ولذلك فإن أي مشروع إصلاح اقتصادي حقيقي يقتضي تحرير السياسات الاقتصادية والتجارية من نفوذ الاحتكارات وأصحاب الامتيازات المكتسبة ، وفتح المجال أمام القطاع الخاص الوطني ورواد الأعمال والمنتجين الحقيقيين .

كما تمثل البيروقراطية الإدارية أحد أكبر معوقات النشاط الاقتصادي في السودان ، حيث يواجه المستثمرون والمنتجون تعقيدات إجرائية وتشابكاً في الرسوم والتصاريح واللوائح ، فضلاً عن بطء الإجراءات وضعف البيئة المؤسسية .

وقد ساهم ذلك في إضعاف ريادة الأعمال ، ودفع جزء معتبر من النشاط الاقتصادي نحو القطاع غير الرسمي .

وفي السياق نفسه ، أصبحت الجبايات والرسوم المتعددة عبئاً مباشراً على الإنتاج والتجارة ، إذ اتجهت بعض السياسات المالية إلى معالجة أزمات الموازنة عبر توسيع التحصيل الجبائي بدلاً من توسيع القاعدة الإنتاجية وجذب الاستثمارات .

ونتيجة لذلك ، ارتفعت تكلفة الإنتاج والنقل والتسويق ، وتراجعت القدرة التنافسية للمنتجات الوطنية .

ومن التداعيات الخطيرة لهذه الاختلالات توسع ظاهرة التهريب والتهرب الضريبي ، حتى أصبح الاقتصاد الموازي يشكل جزءاً كبيراً من النشاط الاقتصادي خارج المنظومة الرسمية .

ولا يقتصر أثر ذلك على فقدان الإيرادات العامة ، بل يمتد إلى إضعاف العدالة الضريبية ، وتشويه الأسواق والتجارة ، وتقويض ثقة المستثمرين في البيئة الاقتصادية .

وفي جوهر هذه الأزمة تكمن إشكالية أعمق تتعلق بطريقة إدارة الاقتصاد نفسه .

فغالباً ما تُدار الموازنة العامة بعقلية محاسبية قصيرة المدى وهي عقلية الندرة التي تركز على سد العجز وزيادة الإيرادات الآنية ، بدلاً من تبني رؤية اقتصادية إنتاجية تقوم على خلق الثروة وتوسيع الاستثمار وتحفيز النمو .

إن الاقتصادات الناجحة لا تُبنى عبر الجبايات والقيود ، وإنما عبر الإنتاج والتصدير والاستثمار ورفع الكفاءة الاقتصادية والحوافز .

ولذلك يحتاج السودان إلى الانتقال من اقتصاد ريعي محدود إلى اقتصاد إنتاجي وتنموي يقوم على القيمة المضافة والتنافسية والانفتاح المدروس على الأسواق .

وقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في تجاوز أزماتها الكبرى لم تعتمد فقط على وفرة الموارد ، بل على كفاءة الإدارة ووضوح الرؤية الاقتصادية وبناء المؤسسات والتنافس العادل .

فبعد الحرب العالمية الثانية استطاعت – اليابان – أن تتحول من دولة مدمرة إلى قوة اقتصادية عالمية عبر التصنيع والانضباط المؤسسي والاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا واقتصاد المعرفة .

كما تمكنت فرنسا ، بعد اضطراباتها التاريخية الكبرى وثورتها ، من ترسيخ مبادئ تحرير النشاط الاقتصادي وتشجيع المبادرة الفردية ، وهو ما انعكس في الشعار الشهير : “دعه يعمل ، دعه يمر” ، في إشارة إلى إزالة القيود كافة أمام الإنتاج والتجارة والعمل .

كذلك تمثل تجربة ماليزيا نموذجاً مهماً للدول متعددة الأعراق ومتنوعة الثقافات كالسودان والتي استطاعت بناء مشروع تنموي ناجح قائم على الاستقرار المؤسسي والتنمية الصناعية والاستثمار في التعليم والتخطيط طويل المدى .

وقد استلهمت التجربة الماليزية بقيادة مهاتير محمد في جانب من فلسفتها التنموية أفكار الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي المتعلقة بشروط النهضة وبناء الحضارة وتحرير الطاقات الاجتماعية والاقتصادية من القيود .

ويملك السودان ، بحكم تنوعه الثقافي والإثني وموارده الواسعة ، فرصاً حقيقية للاستفادة من هذه التجارب ، شريطة توفر الإرادة السياسية والرؤية الاقتصادية الواضحة .

إن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة تأسيس الاقتصاد السوداني على أسس جديدة تقوم على الشفافية والحوكمة الرشيدة وسيادة حكم القانون .

كما تتطلب إصلاحاً مؤسسياً شاملاً يشمل :

مكافحة الفساد وتعزيز آليات المساءلة .

تبسيط الإجراءات وتحسين بيئة الأعمال .

تحرير التجارة وتشجيع المنافسة العادلة .

دعم الإنتاج الزراعي والصناعي والصادرات .

استقطاب الاستثمارات الوطنية والأجنبية .

إصلاح النظام الضريبي والمالي والنقدي بما يحفز الإنتاج لا الجباية .

إعادة دمج الاقتصاد الموازي داخل المنظومة الرسمية ومكافحة التهرب والتهريب .

الاستثمار في التعليم والتدريب والتكنولوجيا واقتصاد المعرفة ونقل التقانة وتوطين الخبرات .

تهيئة الاقتصاد والتجارة للدخول في الشراكات والاتفاقيات الإقليمية والدولية والاستفادة من فرص التبادل والتكامل مع الآخرين .

كما أن إعادة إعمار السودان بعد الحرب ينبغي ألا تُختزل في إعادة بناء البنية التحتية فقط ، بل يجب أن تمثل فرصة لإعادة بناء فلسفة الدولة الاقتصادية نفسها ، بحيث تتحول الدولة من معوق للنشاط الاقتصادي إلى شريك في دعمه وتنظيمه وتحفيزه .

وفي النهاية ، فإن مشكلة السودان الاقتصادية ليست مشكلة موارد مفقودة ، بل قضية إدارة وتنظيم ورؤية مبدعة وخلاقة .

وإذا نجح السودان في بناء دولة المؤسسات والشفافية والكفاءة ، فإن موارده وإمكاناته قادرة على إحداث تحول اقتصادي حقيقي ومستدام يعود نفعه علي عموم الشعب ولايكون دولة بين الاغنياء والاثرياء .

فالشفافية والحوكمة ليستا مجرد شعارات سياسية أو إدارية ، وإنما هما الأساس الضروري لبناء اقتصاد منتج ، ودولة مستقرة ، وتنمية مستدامة ومستقبل مشرق .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى