مسارات وخيارات.. الحرب والسلطة.. من الطلقة الأولى إلى جلسة الأمن الأخيرة

متابعات | تسامح نيوز
كتب – الشاذلي المادح
تخوض الدولة السودانية صراعاً وجودياً معقداً تتشابك فيه الأجندات الداخلية مع الضغوط الإقليمية و الدولية .. و لتفكيك المشهد و إستكشاف خريطة خيارات الحسم الميداني و السياسي تستعرض هذه النشرة تحركات و تفاصيل المسارين الفاعلين على الأرض و في العواصم الإقليمية و الدولية .
*المسار الأول* : جبهة التدخل الدولي و سلطة الأمر الواقع
(القوى الدولية و الإقليمية + صمود + مشروع حكومة تأسيس و الدعم السريع)
يقوم هذا المسار على فرضية تعثر الحسم العسكري المباشر للدعم السريع و محاولة التعويض عن ذلك عبر حراك دبلوماسي مكثف و عقد مؤتمرات في الخارج بالتوازي مع محاولة فرض واقع سياسي على الأرض عبر التكتلات المدنية المتحالفة معه .
1. التحول السياسي (من الحياد الصوري إلى حكومة التأسيس) :
* موقف “صمود” : إختيار مسار الحياد الشكلي تجاه الطرفين العسكريين و التركيز على المناشدات الإنسانية دون اتخاذ موقف حاسم من الإنتهاكات الميدانية لمليشيا الدعم السريع .
* مشروع “تأسيس” و الشراكة المباشرة : الإنتقال من مربع الحياد الصوري إلى التنسيق و الصراحة في الشراكة مع الدعم السريع عبر تحالفات مدنية أثمرت عن طرح مشروع “حكومة تأسيس” لإدارة مناطق السيطرة في محاولة لشرعنة وجود التمرد و إيجاد سلطة أمر واقع موازية لمؤسسات الدولة الرسمية .
2. الحراك الدبلوماسي و المؤتمرات لهذا المسار :
* اجتماعات أديس أبابا التحضيرية و التأسيسية (أكتوبر 2023 – مايو 2024): إطلاق تنسيقية القوى المدنية (تقدم) برئاسة عبدالله حمدوك بمشاركة أكثر من 600 مندوب لبناء جبهة سياسية موازية .
* توقيع “إعلان أديس أبابا” (يناير 2024) : التوقيع على إعلان سياسي مباشر بين حمدوك و قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو .. نص على وقف إطلاق النار و فتح الممرات الإنسانية و هو ما إعتبره المكون الوطني التغطية السياسية الأولى للتمرد .
* مؤتمر باريس الدولي (أبريل 2024) : إلتئام الحراك الإقليمي و الأوروبي لجمع التعهدات الإنسانية و ممارسة ضغوط دولية لوقف العمليات العسكرية فوراً .
* لقاءات و مؤتمرات القاهرة و نيروبي و برلين و أديس أبابا (2024 – 2026) : حوارات بوزارة الخارجية المصرية و ورش عمل متخصصة في نيروبي و برلين تناولت ملفات “الإصلاح الأمني” ، “العدالة الانتقالية” و إدارة ترتيبات “اليوم التالي لوقف الحرب” .
* إجتماعات القوى المدنية السودانية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا يومي 22 و 23 أغسطس 2026م برعاية (الخماسية و الرباعية) لتعبر عن رفضها لدعوة الحوار التي أطلقها رئيس مجلس السيادة . و تعد هذه الإجتماعات آخر تحركات هذا المسار السياسي عشية جلسة مجلس الأمن المنعقدة في 24 أغسطس 2026م و ذلك ضمن أدوار و مراحل محددة سلفاً في إطار الأجندة الدولية و الإقليمية للأزمة .
* جلسة مجلس الأمن (24 أغسطس) : محاولة تدويل الملف الإنساني و الدفع بنشر آليات أو قوات دولية لحماية المدنيين فرضاً و تفعيل حظر التسلح لفرملة التقدم العسكري للجيش و تجميد خطوط التماس .
3. خيارات الحسم و سيناريوهاته :
* ميدانياً : فرض الهدن المتدرجة عبر قررات مجلس الأمن و استخدام الطائرات المسيرة و الإنتشار الخفيف لتثبيت مناطق السيطرة في دارفور و جزء من كردفان .
* سياسياً : إعلان سلطة إدارة مدنية (حكومة تأسيس) في مناطق النفوذ و فرض مسار تفاوضي يقود إلى حكومة كفاءات و إحياء روح الاتفاق الإطاري .
السيناريو المتوقع :
* تجميد الصراع و نشوء مناطق نفوذ متباينة و سلطتين إداريتين (النموذج الليبي) في حال استمرار الإنسداد و التصحيح الميداني .
*المسار الثاني* : جبهة الشرعية و السيادة الوطنية
(الجيش الوطني + الكتلة الديمقراطية + الحراك الوطني)
يقوم هذا المسار على التمسك بشرعية مؤسسات الدولة القومية و تصنيف الدعم السريع كـ “تمرد” يجب إنهاؤه و رفض الشراكة مع أي أطراف مدنية توفر غطاءً سياسياً لتفكيك مؤسسات الدولة .
1. الحراك السيادي و المؤتمرات :
* حوارات القاهرة و التوافق الوطني (فبراير 2023 – يوليو 2024) : اجتماعات موسعة أفضت إلى تشكيل “التوافق الوطني” التأكيد على التمسك بالمؤسسات الرسمية و توسيع قاعدة الحوار (سوداني – سوداني) دون إملاءات خارجية .
* مؤتمر جوبا للقوى الوطنية (فبراير 2024): اجتماع الكتلة الديمقراطية و الحراك الوطني و قوى دارفور لعزل مشروع السلطات الموازية و دعم القوات المسلحة .
* مؤتمر أديس أبابا للآلية الإفريقية (يوليو 2024): المشاركة في اجتماعات الاتحاد الأفريقي للترتيب لحوار شامل مع رفض المكون القومي للمساواة بين الجيش و التمرد .
* استحقاقات “منبر جدة”: التمسك الصارم بـ “إعلان جدة الإنساني (مايو 2023)” كمرجعية إجبارية تقضي بانسحاب التمرد الكامل من الأعيان المدنية و منازل المواطنين كشرط لأي تفاوض .
* حراك نيويورك و جلسة مجلس الأمن (24 أغسطس) : إحباط محاولات فرض آليات حماية خارجية دون موافقة حكومة السودان و التأكيد على أن سيادة الدولة و مؤسساتها هي الخط الأحمر لأي عملية سلمية
2. خيارات الحسم و سيناريوهاته :
* ميدانياً : الإنتقال من الدفاع إلى الهجوم الإستراتيجي لقطع طرق الإمداد و تنشيط المقاومة الشعبية و التعبئة العامة لتصفية جيوب التمرد في المحاور الحاكمة.
* سياسياً : تشكيل حكومة طوارئ و تسيير أعمال لإدارة أزمات الدولة و تقديم الخدمات و إطلاق حوار وطني شامل يمهد لمرحلة إنتقالية قصيرة تنتهي بالإنتخابات .
السيناريو المتوقع : أستعادة السيطرة التدريجية على مراكز الثقل و تفكيك بنية التمرد و إرغامه على الإستسلام أو تحوله إلى مجموعات عصابات منخفضة الشدة يرافقها مسار تعافٍ بطيء للدولة .
*تحليل خاص* : انعكاسات محطة 24 أغسطس (جلسة مجلس الأمن)
أبرزت محطة 24 أغسطس حجم الفجوة بين المشروعين :
بالنسبة لمركّب (الدعم السريع + حلفائه المدنيين) : كانت الجلسة محاولة لإستخدام ورقة الوضع الإنساني الدولي لفرض واقع تفاوضي جديد يغطي التعثر العسكري و يتيح لـ “حكومة التأسيس” مساحة للتحرك و الشرعنة الدولية .
بالنسبة للجيش و القوى الوطنية : أثبتت الجلسة قدرة الدبلوماسية الرسمية على صيانة السيادة و ذلك برفض أي إملاءات أو نشر آليات حماية دون إذن الدولة و التمسك بتطبيق مخرجات جدة كبوابة رئيسية لأي حل .
*خلاصة النشرة* : أين يقف الشارع اليوم؟
بين خيار يسعى لفرض واقع سياسي جديد عبر ورش الخارج و شرعنة التمرد تحت شعار “وقف الحرب” و خيار متمسك بحسم التمرد و حماية مؤسسات الدولة الوطنية .. يدرك الشارع السوداني أن مستقبل البلاد لن يرسمه الحياد الصوري و لا الحكومات الهشة بل ستحدده إرادة الصمود و العدالة و إستعادة الدولة لسيادتها كاملة .





