
د. ياسر محجوب الحسين : تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٣١)
بين مدّ الذاكرة وجزرها، تضرب الأمواج الناعمة شاطئ الزمالة الصحفية؛ في هذه السلسلة ضمن محطتها الحادية والثلاثين حيث لا نكتب مجرد سِيَر عابرة، بل نبعث بـ “تلغرافات” محبة وتقدير لأسماءٍ نقشت حروفها في وجدان الصحافة السودانية.
في هذه الحلقة، نستدعي من ذاكرة الورق والحبر ملامح رحلةٍ جمعتنا بقامتين لهما في النفس مكانة، وفي المهنة أثرٌ لا يُمحى. نبحر معكم بين ضفتين؛ ضفةٍ يقف عليها الصادق الرزيقي، بذكائه التحليلي وقدرته الفائقة على قراءة ما وراء الأحداث، وضفةٍ تزدان بحضور أميرة الحبر، بجرأتها المعهودة واقتناصها المدهش لروح الإنسانية في غمرة التفاصيل.
هما وجهان لجيلٍ صاغ الحرف من وهج القلق والبحث عن الحقيقة، نعود إليهما اليوم لنقرأ في مسيرتهما فصولا من حكاية الصحافة التي لا تشيخ.
في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حين كانت الخرطوم تضبط إيقاعها على وقع “الديمقراطية الثالثة”، ولجتُ غمار الصحافة شاباً تتقاذفه الدهشة، كمن يكتشف مدينة من الكلمات لم تُرسَم خرائطها بعد. هناك، في ردهات صحيفة “ألوان” الصاخبة، حيث كان صرير الأقلام يتماهى مع حدة الجدال الفكري، زاملتُ الصادق الرزيقي؛ ولم يكن حينها مجرد عابرٍ في كشوفات الحضور، بل كان مشروعاً صحفياً يتبلور ملامحه مع كل مادة يخطها.

كان يكتب بروح مقتفِي الأثر، لا يهدأ له بال حتى يستدرج الفكرة المراوغة لتستقر على بياض الورق نابضةً بالحياة. منذ تلك البدايات الباكرة، كان جلياً أن الرجل لا يقنع بدور المشاهد في مسرح الأحداث، بل يطمح ليكون شريكاً في صياغة السردية وتفسير مآلاتها. راقبتُ عن كثب وثبته الأولى، ورأيت كيف استوى قلمه على سوقه، وكيف تصدّر المشهد بثقة من يدرك أن للكلمة ضريبةً باهظة، لكنه يختار دفعها بإيمانٍ كامل.
دارت عجلة الزمن، فإذا بذلك الشاب الذي خبرتُه بين المكاتب المتواضعة، يتبوأ صدارة المشهد الإعلامي. لم تكن مواقعه وليدة الصدفة، بل نتاج تراكم معرفي واجتهاد لم ينقطع. فاعتلى رئاسة الاتحاد العام للصحفيين السودانيين، وهو موقع تتقاطع فيه المصالح وتتلاطم عنده أمواج التحديات، فظل فيه ممسكاً بزمام المهنة، منافحاً عن كيانها في أزمنة الاضطراب السياسي.
وفي معترك النشر، أدار دفة التحرير في صحفٍ تركت بصمةً لا تُمحى، كـ “الانتباهة” و”الصيحة”؛ إذ لم يكن التحرير لديه مجرد ضبطٍ يومي للنصوص، بل كان محاولةً دؤوبة لالتقاط نبض الشارع وصياغته بلغةٍ لا تكتفي بمحاورة القارئ، بل تستفز فيه ملكة التفكير والمراجعة.
ولم تقف طموحاته عند حدود الورق المحلي، بل عبر بفكره التخوم، مساهماً في منصات إقليمية كبرى مثل “الجزيرة نت”، حيث غاص في تعقيدات القرن الإفريقي وفكك طلاسم المشهد السوداني، ببراعة من يدرك أن الخيوط قد تلتف حول الأصابع إن لم تُمسك بدقة.
لم يكن صوته يوماً غارقاً في حيادٍ بارد، وظل منحازاً لقراءة نقدية عميقة للواقع، خاصةً تجاه الأدوار الدولية والإقليمية في السودان. وفي إطلالاته الأخيرة، بدا كمن يزيح الستار عن الطبقات العميقة للأزمة، مشيراً إلى أن ما تجتازه البلاد يتجاوز توصيف “الحرب الداخلية” ليدخل في سياقات أكثر تعقيداً وتشابكاً.
ومؤخراً، عبر سلسلة حلقات برنامج “بالسوداني بودكاست” مع الإعلامي الطاهر التوم، استعاد الرزيقي دور “الشاهد الحكيم”، لا من زاوية المراقب المحايد، بل من خزانة ذاكرةٍ تضج بالتفاصيل الدقيقة. قدم شهادات تداخلت فيها الرواية الشخصية بالتاريخ الجمعي، مستدعياً جذور الحركات المسلحة، وكاشفاً خفايا التحالفات بين المكونات السياسية وقوات الدعم السريع، كمن يفتح دفاتر سيادية ظلت مغلقة لردحٍ من الزمن.
هكذا، حين أسترجع تلك الأيام الخوالي في “ألوان”، لا أستحضر مجرد ذكريات مهنية، بل أقرأ مسيرةً متصلة؛ تبدأ من شابٍ يطارد المعنى بين السطور، لتنتهي بصحفيٍ غدا ركناً أساسياً في الحكاية التي يرويها.
أميرة الحبر
في حقبة التي كانت فيها الصحافة السودانية تمشي على صراطٍ دقيق بين قول الحق وتحمّل التبعات، برز اسم أميرة الحبر الشيخ إدريس؛ لم تكن مجرد صوتٍ يهمس في الزحام، لكنها كانت مثل طرقاتٍ واثقة على أبواب الوعي الموصدة. فقد لمع اسمها كشهابٍ في سماء المهنة، طامحةً لترسيخ قدميها في “بلاط صاحبة الجلالة، ذلك البلاط الذي لا يفتح أبوابه إلا لمن يطرقها بإلحاح الموهبة وحرارة الإبداع.
لم تكن أميرة مجرد عابرة في أروقة الأخبار، بل كانت تقتحم مناطق التماس بجرأة صحفية نادرة، حيث تضيق العبارة وتُحاصر الكلمات قبل أن تجد طريقها إلى النور. في صحيفة الرأي العام، بدأت تشحذ قلمها، لا في سكون المكاتب، بل عبر الاشتباك المباشر مع واقعٍ يرفض التجميل ويأبى الانكسار.
ثم انطلق مدادها ليتخطى الحدود الجغرافية، فكانت “العرب” اللندنية منصةً نقلت عبرها أحداث الداخل السوداني بملامحها الخام، بلا رتوش أو مواربة. هناك، كتبت عن الحريات المُصادرة والأقلام المكسورة، بمسؤولية من يدرك أن الحبر ليس مجرد سائل، لكنه موقف وأمانة.
ومن قبل لم يغب ألقها عن فضاء الأثير، ففي “إذاعة ود مدني”، كانت تضع قضايا الراهن على طاولة المكاشفة، بحضورٍ يفرض الاحترام ويبدد الرتابة. كما قامت بإعداد وتقديم برامج إذاعية عبر “إذاعة النساء عبر الأثير”، حيث استضافت فيها نساء مهاجرات وأوروبيات لمناقشة قضايا مجتمعية.
لكن “أميرة” في ذاكرة الصحافة السودانية تتجاوز السرد المهني الجاف؛ فهي تلك الموهبة “العيلفونية” التي شهدتُ مخاض انطلاقتها الأولى، وهي تخط مغامراتها بيقين من يعرف أن الدرب – وإن تخللته الأشواك – ينحني في النهاية لمن يملكون الإصرار.
وفي الذاكرة المهنية قادتها جرأتها إلى معسكر “الهلال” في العيلفون، حيث كان المحترف الكونغولي “زولو” يعيش غربته الخاصة وسط صخب الفريق. كان زولو جزيرة معزولة من الصمت؛ لا لغة تسعفه ولا إشارة تنجده، يبحث في أعين المحيطين عن “حبة بندول” تُسكن صداعه، لكن الكلمات خانته تماماً.
هناك، تجلت براعة أميرة التي عرفتها: تلك التي لا تكتفي بالرصد، بل “تستنطق الصمت”. كانت هي من مد جسور الحوار معه، بلغة هجينة من الإيماءات والابتسامات، حتى ظفرت منه بأول حديث صحفي، شق طريقه لاحقاً ليتصدر صفحات صحيفة المشاهد الرياضية. كان سبقاً صحفياً مغلفاً بالطرافة، لكنه كشف عن جوهرها كصحفية ترى في التفاصيل المنسية قصة تستحق أن تروى.
حينها كانت روايتها الصحفية تسيطر على المجالس، خاصة حين روى زولو بدهشة فطرية محاولات الحارس “أحمد النور” التواصل معه بالإشارة، قبل أن يبلغ المشهد ذروة الكوميديا حين اقترح زولو، بكل بساطة، أن تكرر زيارتها للمعسكر! لقدرتها على فك عزلته اللغوية رغم عدم معرفتها بالفرنسية اللغة الوحيدة التي يستعصم بها. تلك الواقعة ظلت محفورة كدرسٍ في تلاقي العوالم التي توحدها كرة القدم وتفكك شفراتها نباهة الصحفي.
كذلك في صحف “الصحافي” و”الشارع السياسي”، كانت أميرة صوتاً مصادماً، لا تهادن السائد، وتؤمن يقيناً أن الصحافة التي لا تثير القلق هي صحافة فاقدة للمعنى. كانت تملك ناصية الكلمة الصادقة، تلك التي لا تحتاج لزخرف لتعيش في الذاكرة.
في السنوات الأخيرة، اختارت أميرة الاستقرار في بريطانيا. وهناك، خلف ضباب العواصم الباردة، آثرت نوعاً من الانكفاء، ليس غياباً نهائياً، بل هو أشبه بهدنة محارب مع الضجيج، أو انتظارٍ لعودةٍ تليق بقلمٍ لم يُخلق ليصمت طويلاً.
ستبقى أميرة الحبر في الذاكرة أكثر من مجرد اسمٍ في سجلات المهنة؛ هي حكاية موهبة عرفت كيف تبدأ من القمة، وتترك أثراً يبقى نابضاً مهما طالت المسافات.





