
متابعات | تسامح نيوز
وليد دليل: ” الجنيه دخل الآن مرحلة الانهيار الحر”و فقد أكثر من 80% من قيمته
خبير: معدلات التضخم تجاوزت حاجز 300% جعلت العملة الورقية تفقد وظيفتها.
السوق الموازية أصبحت في السودان هي المصدر الرئيس للعملات الأجنبية
تقرير / تسامح نيوز
تحول الجنيه السوداني من وعاء للقيمة ورمز للسيادة إلى “غنيمة حرب” تتقاسمها شبكات اقتصاد الظل وتجار الأزمات في السوق الموازية،ففي ظل الانهيار للعملة وتآكل الاحتياطيات الرسمية، أحكمت “دولة الظل” قبضتها على مفاصل النقد الأجنبي، مستغلة تعطّل القنوات المصرفية والحرب الطاحنة المتواصلة في السودان والاضطرابات الملاحية في مضيق هرمز لفرض أسعار فلكية تجاوزت حاجز 4300 جنيه للدولار. ومع تحول تطبيقات التحويلات البنكية إلى عملة بديلة، وتنامي عمليات تهريب الذهب لتمويل شبكات النزاع، بات الجنيه ضحية مافيا العملات؛ حيث يتغذى المضاربون على ندرة المعروض، والطلب الشرس لتمويل الواردات، محولين الأزمة المعيشية إلى أرباح صافية في سوق موازية تُدار خارج مظلة القانون.
اقتصاد الظل
أصبحت السوق الموازية في السودان هي المصدر الرئيس للعملات الأجنبية، في ظل التراجع المستمر لقدرة القنوات الرسمية على توفير النقد الأجنبي، متأثرة بانخفاض حاد في احتياطياتها، وتوسع دور الشبكات غير الرسمية في تداول العملات. ويشير هذا الواقع إلى أن الفجوة بين السعرين الرسمي والمتداول خارج النظام المصرفي قد اتّسعت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، فقد تراجعت الثقة في الجنيه مقابل تزايد الاعتماد على العملات الأجنبية في المعاملات اليومية والمدخرات. وحسب متوسط الأسعار، تجاوز سعر الدولار في السوق الموازية حاجز 4310 جنيهات، بينما استقر سعره رسمياً في البنوك عند حدود 3170 جنيهاً، مما يكشف عن فارق شاسع يغذي حالة الارتباك النقدي.
ويرى مختصون أن السوق الموازية تقف حالياً عند “ذروتها التاريخية”، بينما يواصل النظام المصرفي الرسمي تثبيت أسعاره في حالة من “الجمود التنظيمي”، مما أدى إلى اتساع غير مسبوق في الفجوة بين المسارين. ويعكس هذا المستوى حالة من الاستقرار “عند القمة”، حيث لا تتراجع الأسعار رغم غياب قفزات صعودية جديدة مؤقتاً، نظراً لأن السوق تعاني نقصاً حاداً في المعروض، في حين يظل الطلب التجاري والمضاربات في أعلى مستوياتها.
فخ الاستيراد
تشير تقارير دولية حديثة إلى أن السودان يواجه نقصاً حاداً في النقد الأجنبي، تزامناً مع انخفاض الصادرات وتراجع الأنشطة الإنتاجية. وبات المستوردون يعتمدون بشكل شبه كامل على السوق السوداء لتأمين احتياجاتهم، مما يبقي الطلب مرتفعاً رغم حالة الركود الاقتصادي العام. ويصف متعاملون هذا “الاستقرار” الظاهري بأنه في الواقع “ثبات عند مستوى الانهيار”، إذ لا توجد مؤشرات على تحسّن قريب في قيمة العملة الوطنية، مع غياب أي تدخل رسمي قادر على توفير بدائل نقدية مستقرة أو كبح جماح السوق الموازية.
ويرى اقتصاديون أن القرار قد يفجّر موجة تضخم جديدة، في ظل غياب البدائل الإنتاجية المحلية. كما أن منع الاستيراد دون توفير بدائل قد يخلق اختناقاً في العرض، خصوصاً مع تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، وعودة السكان إلى مناطق أكثر استقراراً، مما يزيد من وتيرة الطلب على السلع الأساسية.
مرحلة الانهيار الحر
يقول الخبير المصرفي وليد دليل: “إن الجنيه ليس مجرد عملة، بل هو مرآة تعكس هيبة الدولة، ولكنه دخل الآن مرحلة الانهيار الحر”. ويوضح دليل أن العملة فقدت تاريخياً أكثر من 80% من قيمتها خلال العامين الماضيين فقط؛ فبينما كان السعر الرسمي للدولار في حدود 600 جنيه، فإنه في الأسواق الموازية يتجاوز ذلك بمراحل، وسط فجوة هائلة تسببت في توقف المعاملات الرسمية.
ويضيف دليل أن معدلات التضخم التي تجاوزت حاجز 300% جعلت العملة الورقية تفقد وظيفتها باعتبارها وسيطاً للتبادل، فقد حلّت محلها “تطبيقات التحويلات البنكية” التي أصبحت هي “العملة الفعلية” في الأسواق. كما يرى أن “دولة الظل” واقتصاد الشبكات الموازية أصبحا يتحكّمان في مصير الجنيه، مؤكداً أن الحرب لم توقف التجارة، بل نقلتها إلى قنوات غير مرئية.
*ارتفاع قياسي*
من جهته، أكد المحلل الاقتصادي، هيثم فتحي، أن تراجع قيمة الجنيه منذ عام 2023 تزامن مع ارتفاع قياسي في أسعار المواد الأساسية، نتيجة دمار البنية التحتية ونزوح الملايين. وأوضح فتحي أن استقرار الجنيه مرهون بقدرة الحكومة الانتقالية على تنفيذ إصلاحات جوهرية، في مقدمتها إعادة هيكلة البنك المركزي وتعزيز استقلاليته، وتبني سياسات نقدية متوازنة، تبتعد عن “التوسّع غير المسؤول في طباعة النقود”، مع إطلاق مشروعات إعادة الإعمار لتحفيز الإنتاج.





