المقالات

السفير/ رشاد فراج الطيب: حين يتكلم التاريخ بصوت الموساد.. إسرائيل والسودان..

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

– من صناعة التمرد إلى هندسة الجغرافيا السياسي

لم يكن المشهد الذي ظهر فيه الرئيس سلفاكير ميارديت وهو يقلد ضابط الموساد الإسرائيلي السابق ديفيد أوري بن عوزئيل رتبة “جنرال فخري” في جيش جنوب السودان مجرد مناسبة بروتوكولية لتكريم رجل تجاوز التسعين من عمره ، وإنما كان إعلاناً سياسياً بالغ الدلالة ، واعترافاً تاريخياً متأخراً بدور ظل لعقود طويلة محل جدل في الوعي السوداني .

فالدول لا تمنح أعلى أوسمتها لمن عبروا تاريخها مروراً عابراً ، وإنما لمن ترى أنهم أسهموا في صناعة منعطفاتها الكبرى .

ولذلك فإن هذا التكريم لم يكن احتفاءً بشخص ، بقدر ما كان احتفاءً بدور ، ورسالةً إلى العالم بأن إسرائيل كانت شريكاً مبكراً ومؤثراً في بناء القوة العسكرية للحركة الجنوبية التي انتهى مسارها بقيام دولة جنوب السودان .

والأهم من ذلك أن هذه الحقيقة لم تعد تستند إلى الرواية السودانية وحدها ، وإنما أصبحت مدعومة باعترافات إسرائيلية منشورة .

فقد دوّن ديفيد بن عوزئيل في مذكراته تفاصيل مهمته السرية في جنوب السودان ، وروى كيف أوفده الموساد لتقييم قدرات حركة الأنيانيا ، ثم للإشراف على تدريب مقاتليها ، وتنظيم خطوط الإمداد بالسلاح والذخائر ، وإنشاء مهابط للطائرات داخل الأدغال ، والمشاركة في بناء الهيكل العسكري للحركة .

كما تحدث مسؤولون إسرائيليون ، في مذكراتهم وكتاباتهم أو محاضراتهم ، ومنهم آفي ديختر وزير الامن الداخلي الإسرائيلي عن فلسفة الانفتاح على إفريقيا ، وعن سياسة “حلف الأطراف” التي هدفت إلى بناء علاقات استراتيجية مع قوى غير عربية في محيط العالم العربي باعتبارها جزءاً من منظومة الأمن القومي الإسرائيلي .

إن هذه الاعترافات لا تعيد فقط قراءة جانب مهم من تاريخ السودان الحديث ، وإنما تدفع إلى مراجعة كثير من الأحكام التي ترسخت في الخطاب السياسي .

فقد جرى اختزال مسؤولية انفصال جنوب السودان ، في كثير من الأحيان ، في حكومة الرئيس عمر البشير وحدها .

ولا شك أن بعض السياسات الداخلية ، وإخفاقات إدارة التنوع ، واستمرار الحرب لعقود ، كانت عوامل مؤثرة في إضعاف الدولة .

غير أن القراءة التاريخية المتوازنة تقتضي أيضاً الاعتراف بأن التدخلات الخارجية والتي استقطبت إليها قوي داخلية كانت جزءاً مهماً من المشهد ، وأنها أسهمت في تغيير موازين القوى وإطالة أمد الصراع ، وصولاً إلى البيئة التي انتهت بالانفصال .

إن اختزال التاريخ في عامل واحد لا يخدم الحقيقة ، فالدول لا تتفكك بسبب أخطاء الداخل وحدها ، ولا بسبب تدخلات الخارج وحدها ، وإنما حين يلتقي ضعف الداخل مع مشاريع الخارج ، فتتحول التناقضات الوطنية إلى أدوات في صراعات إقليمية ودولية أكبر .

ولم يكن اهتمام إسرائيل بالسودان اهتماماً عابراً أو تكتيكياً ، بل انطلق من إدراكها للمكانة الجيوسياسية التي يحتلها السودان ، فهو بوابة إفريقيا ، والعمق الجنوبي لمصر والعالم العربي ، وإحدى أكبر الدول من حيث الموارد الطبيعية والموقع الإستراتيجي .

ولذلك ، فإن أي قوة تسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة لا يمكن أن تنظر إلى السودان بوصفه دولة هامشية ، وإنما بوصفه رقماً مؤثراً في معادلات الأمن الإقليمي .

لقد فهمت إسرائيل ، منذ وقت مبكر ، أن إضعاف الدول المركزية لا يتحقق فقط بالمواجهة العسكرية ، وإنما أيضاً عبر استثمار التناقضات الداخلية ، وتحويلها إلى أوراق ضغط ممتدة ، وهذه ليست خصوصية سودانية ، بل نمط معروف في العلاقات الدولية ، حيث تصبح الانقسامات المحلية منفذاً للتأثير الخارجي .

ومن هنا ، فإن أهم درس يقدمه لنا تكريم ضابط الموساد بعد أكثر من نصف قرن ، هو أن الدول لا تنسى من خدم مصالحها ، وأن الاستراتيجيات الكبرى تُدار بعقل طويل النفس ، بينما تنشغل الدول الضعيفة بإدارة أزماتها الداخلية و اليومية دون أن تنتبه إلى الصورة الكلية .

واليوم ، بينما يواجه السودان حرباً وعدوانا مدمرا وانقساماً داخلياً عميقاً بين مكوناته السياسية والمجتمعية ، يصبح من المشروع التحذير من أن استمرار ذلك النزاع ، واتساع فجوة الثقة بين مكونات المجتمع ، يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية ومحاولات التأثير في مستقبل البلاد .

ولا يقل خطورة عن التدخل الخارجي ما يصنعه الانقسام الداخلي .

فالقوى الخارجية لا تستطيع أن تنفذ إلى دولة متماسكة ، وإنما تجد فرصتها عندما تتنازع النخب ، وتضعف الهوية الوطنية الجامعة ، وتصبح المصالح الحزبية أو الفئوية مقدمة على المصلحة العليا للدولة .

ومن هنا ، فإن المسؤولية التاريخيةتقع أولاً على عاتق النخب السودانية ، فالخلاف السياسي حق مشروع ، لكن تحويل الوطن إلى ساحة تستقطب التدخلات الخارجية ، أو إضعاف مؤسسات الدولة سعياً إلى مكاسب سياسية ، هو طريق لا يقود إلا إلى مزيد من التفكك .

وفي الوقت نفسه ، فإن ما شهده السودان يعكس أزمة أعمق في النظامين العربي والإسلامي .

فقد تراجعت فكرة الأمن القومي المشترك ، وانحسر مفهوم التضامن أمام حسابات المصالح الضيقة والاستقطابات الإقليمية ، حتى وجد السودان نفسه يواجه واحدة من أكبر أزماته في ظل غياب موقف عربي وإسلامي موحد يوازي حجم التحديات التي تهدد استقرار دولة محورية في الإقليم

إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى تماسك وطني جامع ، يعيد بناء الثقة بين مكوناته ، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون ، ويجعل من وحدة الدولة وسيادتها القاسم المشترك الذي يعلو على كل خلاف او تنافس سياسي .

 

فالتاريخ لا يعلمنا فقط كيف تنهض الدول ، بل يعلمنا أيضاً كيف تسقط .

 

لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تسقط حين يتآمر عليها الآخرون ، وإنما حين ينجح الآخرون في تحويل انقساماتها الداخلية إلى أدوات لتنفيذ مشاريعهم .

وما لم يدرك السودانيون هذه الحقيقة ، فإن التاريخ لن يكتفي بتكرار دروسه ، بل قد يعيد كتابة فصوله على أرض السودان وكما انفصل جنوب السودان ، ربما تنفصل دارفور اذا توفرت ذات العوامل والحيثيات .

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم ليس فقط كيف ينتصر في معركة السلاح ، وإنما كيف ينتصر في معركة الوعي ، ويستعيد وعيه وتماسكه الوطني الجامع ، ويحصّن قراره السيادي ، حتى يصبح أي تدخل خارجي ـ أياً كان مصدره ـ عاجزاً عن إعادة رسم جغرافيته أو هويته أو مستقبله .

فالأوطان القوية لا يحميها حسن النوايا ، وإنما تحميها وحدة شعبها ، وعدالة دولتها ، وصلابة مؤسساتها ، ووعي نخبها بأن الاختلاف السياسي يجب أن يبقى دائماً تحت سقف الوطن والدولة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى